السيدة فيروز : صوت تسكنه طفلة


ثمة سؤالٌ ، لطالما أرقتني الإجابة عنه : لماذا كان صوت السيدة فيروز ، يختطفني من بين أقراني الصغار ، حينما كنت طفلاً ؟ .

حياة الطفولة و حياؤها ، يرينان على غناء السيدة " فيروز " في أغلبه ، فهي في غنائها ، عادةً ما تـُرجّع الحبَّ الذي تتغنى به أو له ، إلى عُمر طفولتها ، و هذا الأسلوب في الكتابة الغنائية ، لم يعهده الشعر الغنائي العربي ، قبل أنْ تقدَّمه هذه الفنانة ، التي ترجمت رؤية " الأخوين رحباني " في التعبير عن هذا المضمون العذري للحبَّ ، و تأصيله في مفردات أعمالهما لها ، بألحان طفولية في براءتها و عفويتها ، فالحبُّ العذريّ ، عشعش في وجدانيات هذه المطربة ، و كبر معها ، بكبر قلبها و إنسانيتها ، التي جعلت منها مطربة بهذا الحجم و الصيت .

 

 

فلحياة الطفولة في غنائها سرٌٌّ كبير ، بيد أنها تجعل من نشأة الحبِّ في قلبها ، محوراً و مرجعاً لأنْ تبرّر لحبِّها ، و سبباً أيضاً ، لهجرانها لذلك الطفل الذي أحبته يوماً ، و في هذه الأغنية ، نستمع إليها و هي تسرد لنا ، حقيقة و قِدم هذه المحبة ، التي شهدت عليها ، تفاصيل عدة من حياة الطفولة ، لذا فهي ترى أنه من الجذرية في قلبها لدرجة أنها ، لا تتخيل مجرد التخيل ، أنْ يهون عليها هذا الحبُّ الفريد من نوعه ، الذي التصق بمعاني الوفاء و النقاء في السريرة ، فهو حبٌّ أكدته الأيام و الشواهد ، و جذّرته السنون ، حتى نما و صار كما الشجرة الظليلة التي لا يمكن اقتلاع جذورها الراوية من ماء فؤادها :

أغنية : سوا ربينا

للأخوين رحباني

أداء : السيدة فيروز

ـــــــــــــــــــــــــــــــــ

سوا ربينا .. سوا مشينا .. سوا قضينا ليالينا
معقول الفراق .. يمحي أسامينا
و نحنا سوا ربينا ؟

...
أنت و أنا درنا ع كل لبواب
حبينا و كبرنا بموسم العناب
و انطرنا الجنا بليالي الجنا
و قطفنا الفرح من علالينا

...
آه قولك بعد الرفقة والعمر العتيق
نوقع متل الورقة كل من ع الطريق ؟
و ينسانا السهر بايدين السهر
ويسألوا عنا أ هالينا ..

 

 

إذاً هي في هذه العمل الجميل ، تعاتب باسم الطفلة التي أحبّت من أحبّت ، و تخاطب في حبيبها ، ذلك الطفل النقي السريرة ، الذي لم يكـُن قد تسرّب بعد إلى قلبه ، الغدر و الخيانة ، لأنها تعلم أنّ الإنسان بطبعه يولد ، و هو لا يعرف من الشرِّ شيئاً ، و أنّ الطفل ، هو الذي يقرّ بفداحة خطئه ، و لا يكابر و لا يحاجّج كذباً و لا يختلق الذرائع الواهية ، إنْ هو ارتكب أيَّ جرم ٍ ، و هو ّ الأوَّاب إلى الفضيلة ، و لم ينكت قلبه بالسواد ، فهي بهذا المنحى ، الذي اختاره لها " الأخوان رحباني " - اللذان نقلاه لنا من التجارب العالمية - تستطيع أنْ تجبر محبوبها على الإقرار بإساءته ، و من ثم ، العدول عنها صاغراً ، من دون كبر ، و بهذه البراءة في اللوم و العتاب ، تشعر بأنها قد تنجح في إرجاع حبل الوصل بينهما ، و إلا فهي ستوظـّف الآلية عينها لهدف آخر ، إنْ أحسّت بأنّ ثمة من أحدّث الوقيعة بينهما ، لما تلقي بالائمة على الوشاة ، الذين بمكرهم ، أ نشبوا نار الفرقة بينهما ، غير أنها ما تنفك ، أنْ تعود به إلى مرابع الطفولة ، زمن معرفتها به ، مثلما سننصت إليها ، في هذا العمل المباشر ال يسير على الفهم ، بهذا اللحن الرومانسي البديع :

أغنية : علموني

للأخوين رحباني

غناء : السيدة فيروز

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
علموني هني علموني
على حبك فتحولي عيوني
و التقينا و انحكى علينا
علموني حبك و لاموني

...
ع أيام الورد قلبي ذايب
كيف كنا و كان العمر طايب
شو جرى شو غير الحبايب
مرقوا ع بابي و ما حاكوني ؟

...
يا عصفور الشوك أهلك داروا
بـ هالسما و ما بعرف وين صاروا
دلوني ع درب الحب و طاروا
و على درب الصبر ما دلوني ..

 

 

لكنْ على الرغم من جفائه لها ، و حيرتها في معرفة سبب هجرانه ، نسمعها ، تحاول ثالثة معه ، كي تردَّه عن عزمه و إليها ، فتجرّب أن ْ تحيي في نفسه بعضاً من ذكريات طفولتهما ، لعلها توقظ في نفسه شيئاً من الحنين إلى تلك الأيام الخوالي ، التي كان فيها الحب غضّاً طرياً ، فهذا ما تشير إليه في هذا الأغنية :

أغنية : فايق يا هوى ؟

للأخوين رحباني

أداء : السيدة فيروز

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

فايق يا هوى لم كنا سو ا ؟
والدمع سهرني وصفولي دوا
تاري الدوا حبك و فتش ع الدوا

...

فايق لما راحوا أهالينا مشوار
تركونا و راحوا قالوا أولاد صغار
ودارت فينا الدار ونحنا أولاد صغار
والهوى جمعنا وفر قنا الهوى

...

طير المسا جاي من سفر طويل
و على باب السهرة تبكي المواويل

نطفي القناديل و تبكي المواويل
ونسهر علي القمة تنيتنا سو ا

...

موّال :
فايق ع سهرة وكان في ليل وندي
والنار عم تغفا بحضن الموقدي
ولعت بمسافرة و ما في كلام
ولا هدي قلبك و لا قلبي هدي
و نام الحكي و الناس و ا نهد السراج
و تكيت غصون الورد ع كتف السياج
و فل القمر ع ضيعتو و فلوا الدراج
و قلك فقت ابكي بتقوللي اقعدي ..

و بعد فراغ صبرها ، حين يأسها من هذا الحبيب ، الذي تولعت به و شغّل قلبها ال أخضر في صغرها ، و فجيعتها بصدّه و غدّره ، إذا أبى العود إليها ، تصرخ في وجهه ، بأنه ليس ذاك الطفل الذي تربّت معه و عشقته ، لذا لا يحسن بها أنْ تتذلل له ، فهو لم يقـُم لتلك الص ُّ حبة و لا المحبة أيِّ شأن ، و تنكّر لتلك الأيام الجميلة ، بتفاصيلها و صورها ، التي جاءت في الأغنية السابقة ، نستمع إليها في هذا اللحن الفريد ، تتبرأ منه ، و تتخلص من إرث ماضي الطفولة ، و كل ما يذكرها به من أشياء ، إلا أنّ الطفلة التي أحبّت ، تدعو و تصلي له ، لأجل أنْ يسعد و يهنأ في حياته بعيداً عنها ، من خلال كلمات هذه الأغنية :


أغنية : لا أنت حبيبي

للأخوين رحباني

أداء : السيدة فيروز

ــــــــــ

لا انت حبيبي و لا ربينا سوا
قصتنا الغريبي شلعها الهوا
و صرت عنك غريبي
انساني يا حبيبي

...
امبارح اتلاقينا قعدنا ع حجر
برد و حوالينا عرياني السجر
خزقنا الصور و محينا القمر
ردتلو مكاتيبو و ردلي مكاتيبي

...
كل من طوي شراعه
و راح بهالمدى
ولدينو ضاعو ع جسر الصدى
تفارقنا بهدا و الدنيي مدى
بخاطرك صليلو بتسعد يا حبيبي ..

 

عودٌ على بدء ، فإنّ مثل هذا الغناء التعبيري يحتاج إلى مطربة ، هي من الإحساس و البراءة و الشفافية ، حتى تقدر على إقناع المتلقي ، وقتما تردّ به إلى فترة الطفولة بهذه المهنية الفائقة في الأداء و التشخيص ، اللتي مكنها منها صوتها الجميل ، الذي تباينت درجاته في الأنغام الأربعة السابقة ؛ ففي أغنية ( سوا ربينا ) ظهر صوتها خفيضاً ، من دون أيِّ دور لأصوات الـ ( كورال ) لأنّ الحبكة الصوتية و اللحنية ، كانتا تقتضيان منها ذلك ، فهي كانت تراجع و تخاطب نفسها ، فيردّ عليها قلبها ، بأنّها إنْ تنكرت لهذه الرابطة ، ستشمت فيها الناس ، لذا فهي ستمضي إلى الأمام ، و هذا ما عزمت عليه ، بعد أنْ عادت بها آلة الزمن إلى حاضرها ؛ أما في أدائها للأغنية الثانية ( علموني ) ران على صوتها ، صوت الطفلة الضعيفة ، التي تكابد كي تضع اللوم على الناس ، كي تبرّر ساحتها و ساحته ، من أيِّ خلاف حدث بينهما ؛ و متكئةً على الألفة التي ربطتها بحبيبها ، كرابطٍ لا يمكن انفصامه ، جاءت في أغنيتها الثالثة ( فايق يا هوى ) فقاست نظرة المحبوب إلى هذه الرابطة بمنظورها هي ، و على الأساس ذاته ، فتوسمت فيه خيراً ؛ لأنْ يعود ، بصوت جميل و لحن شرقي صرف – أعدُّه من طرفي ، من أجمل الألحان ، التي تغنّت بها طِوال مشوارها الفنّي ، أدّخل فيه " الأخوان رحباني " فنَّ الموّال العربي ، بطريقة التصوير السينمائي ( فلاش باك ) فأدّت و هي تبتسم للماضي ، هذه اللحن ببراعة المطربة المخضرمة ، التي تجيد تقديم الأغنية الشرقية جنباً إلى جنب مع الأغنية الغربية أو الحديثة ، التي عُرفت بها ، لاسيما في أدائها للمقطع الذي تقول فيه ( نطفي القناديل و تبكي المواويل ) و البيت الذي تقول فيه ضمن الموّال ( و نام الحكي و الناس و انهد السراج ) و لأنّ مضمون الأغنية الأخيرة ، كان إقراراً منها بمقابلة الجفاء بجفاء ، جاء صوتها حاداً في لهجته ، على لحن بديع استهله " الأخوان رحباني " بصوت أوتار القيثارة ، التي حملت حزناً عظيماً في قلب هذه الطفلة التي حاولت بقدر ما تستطيع أنْ تحتفظ بذاك الحبيب ، لتعيد إلى نفسها كرامتها ، حيث بدأت نهاية هذه القصة بقولها ( لا أنت حبيبي و لا ربينا سوا ) فطالما فضّل البعد عنها ، فهو بغنائها ليس ذلك الطفل الذي تربت معه ، بل إنه شخصٌ غريبٌ ، ناكر لهذه الرابطة التي جمعته بها ؛ ففي هذه الأغنية نرى سمعاً أنّ صوت " فيروز " في أجمل حالته ، فقد أدّت الأغنية بالطبقات الصوتية الثلاث ببراعة ، و قابلنا روعتها بدهشة الأطفال فينا ؛ ربما في هذا السبب ، تكمن الإجابة عن سؤالي المفتتحي الطفوليّ .

زياد العيساوي

بنغازي – ليبيا

22 / 1 / 2010
ziad_z_73@yahoo.com

'''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''

feedback

 

 

adabiat fania

  • Modawna
    للكاتب زياد العيساوى
  •  

    جميع حقوق الطبع محفوظة© Copyrights reserved . www.libdacafe.com