

تعاونت السيدة ' فيروز ' مع عديد الملحنين ، لتقديم أغنية الطفل ، و قد كانت من أجمل أغاني الطفل على المستوى العربي ، ففي أعمالها ، لطالما تغنت بالعمر و تفاصيله و مراحله كلها ، و عادة ما سيقت لفظة ( العمر ) في كلمات أغنياتها ، كما أنها ، وظّفت مرحلة الطفولة لأكثر من غرض في أعمالها ، فجعلتها نقطة ارتكاز في أغنياتها العاطفية و الوطنية أيضاً ، و كنت قد أشرت إلى ذلك ، في إحدى مقالاتي الفائتة ، لكني هنا ، سأتطرق إلى أغنية الطفل – في أعمالها - الخالصة و المجردة من أي توظيف آخر ، بدايةً منذ ولادته حتى أخر مرحلة الطفولة ، و قبل حتى أنْ يشبَّ .
في الأغنية الأولى المختارة ، تترنـّم السيدة ' فيروز ' باللهجة اللبنانية الدارجة ، من غير مصاحبة الموسيقا ، عدا آلة وترية وحيدة ، هسيسُها أخفض من صوت 'فيروز '.
مضمون العمل ، واضح الغرض ، فهو لجلب النوم لعيني الطفلة ' ريمة ' و هو لون من الغناء المعروف في الموروث و الفن العربي ، و هذا لا يعني ضرورة ً ، بأنّ كلمات و لحن هذه الأغنية شعبي ، لكني قصدت من ذلك ، أنّ هذه الطريقة صحية ، و تزيد من رابطة الطفل الرضيع بأمه ، و قد استمرأتها الأمهات ، منذ عهد قديم ، لهذا الغرض ، بعكس ما تتعامل به أمهات هذا الوقت ، اللواتي ينصرفن إلى استعمال المخدرات العقلية ، للشيء نفسه ؛ مع أنّ ، هذا الأداء لا يتطلب منهن ، صوتاً جميلاً ، لكنه يستمد جماله من حنان الأم ، و لا جمهور له سوى الأطفال المستهدفين منه فقط .
و في التراث الشعبي ، يبدو هذا الغناء ، ماثلاً للأسماع لكل باحث و مهتم به ، و أجلى ما يكون وضوحاً ، في غناء الجدات والأمهات لأحفادهن و أبنائهن ، فقد اتخذنّ من هذا الفن ، وسيلة للتربية و التلقين ، من خلال حكايات مغناة ، بها يحببنّ إليهم فعل الخير و ينفـّرنهم من عمل الشر ، فضلاً عن الاستعانة به ، على جلب النوم إلى أجفانهم المضناة بالسهر و الأرق ، من دون اللجوء إلى استعمال المواد المخدرة لعقولهم ، التي لها مردود سلبي على سلامتهم ، فينوّمنهم بواسطة ترديد تلكم الروائع الغنائية المتواترة - جيلاً بعد جيل - على مسامعهم بسلاسة ، فيأتي النوم إليهم صاغراً و رغماً عنه ، و هذا ما درج عليه الفنانون ، الذين أعطوا هذه الأغنية نصيباً وافراً من فنهم ، و قدَّموه في قوالب غنائية مموسقة ، تنطبق عليها كل المواصفات الفنية اللازمة ، فتذاع عبر وسائل الإعلام - المرئية منها و المسموعة - و نتقبلها بكل ترحيب ، و من ذلك ما غنتـه السيدة ' فيروز ' فلهذه الفنانة العربية الملتزمة ، التي حرصت على أداء كل الألوان الغنائية ، من حيث المضامين و المقامات الموسيقية ، باعٌ طويل ، في هذا المجال الذي نتحدث عنه ، فأعمالها أكثر من أنْ تُحصى ، و ليس على سبيل الحصر ، بل المثال ، نذكر لها ، أغنيتها هذه الذائعة الصيت ، و المقتطفة من أحد أشرطتها الخيالية ، التي تقول في مطلعها :
يلا اتنام يلا اتنام
لذبحلها طير الحمام .
وهي تخاطب طفلتها ' ريما ' أو ' ريمة ' لست أدري دقةً ، أي التسميتين هي الصحيحة ، و لكني أُرجح المنتهية بالتاء المربوطة ، مستغلةً الأسلوب الماثل في التراث الشعبي ، الذي كنا قد نوهنا إليه فيما مضى ، و هذا الأمر يبدو جلياً ، من خلال مضمون كلمات المطلع ، فقد تم أداء هذا العمل ، كما لو أنه عـملٌ تراثـي ، على الرغم ، من أنه قد أُعِـدَّ له لحـناً و كلمـات خاصـة بـه ، من إبـداعات ' الأخوين رحباني ' ذلك أنّ هذه الأغنية جاءت في شكل سردي ، و لم تُوظـّف لأجلها الآلات الموسيقية ، فهي مجردة من كل هذه الأشياء .
و تستمر السيدة ' فيروز ' في ترديد ترنيمتها في محاولة منها لتسلية ' ريمة ' حتى النعاس ، لكنها لا تلبث ، أنْ تستدرك ، أنْ ما جاء في كلماتها ، وقع الفزع على الطفلة المرهفة الإحساس ، فتعود عن وعدها لها في موضع ثانٍ قائلة :
روح يا حمام لا تصدق
بس أضحك ع ريمة تتنام .
و ما بين ما جاء في المطلع و في المذهب الأخير ، يكمن تتاقض صارخ و صريح ، لكنه لم يأتِ محض صدفة ، بل هو مقصود ، فكأنها أرادتْ أنْ تشغل الطفلة ، بأنْ تختلق لها هذه المشكلة المتمثلة في هذا الأمر الرهيب ، و هوَّ ذبح طير الحمام ، كي تُنسيها كُلَ ما لاقته من مواقف صعبة ومشاهد مفزعة طوال يومها الحافل بالأحداث ، فتصبح هذه الأغنية بكل بُعدها القصصي و بكل شخوصها ، شغلها الشاغل ، و لا تلقي بالاً لشيء إلا لها ، بهدهدات ساحرة و مثيرة للنعاس ، تنساب إلى مسامعها ، إلى أن تغرق الطفلة في نومها .
أغنية : يللا تنام ريمة
للأخوين رحباني
يللا تنام ريما يللا يجيها النوم
يللا تحب الصلاة يللا تحب الصوم
يللا تجيها العوافي كل يوم بيوم
...
يللا تنام يللا تنام لاذبحلها طير الحمام
روح يا حمام لا تصدق بضحك ع ريمة تتنام
ريما ريما الحندقا شعرك أشقر و منقى
و اللي حبك بيبوسك اللي بغضك شو بيترقى
...
يا بياع العنب و العنابية قولوا لأمي قولوا لبيي
خطفوني الغجر من تحت خيمة مجدليي
و التشتشي التشتشي و الخوخ تحت المشمشي
و كل ما هب الهوا لأقطف لريما مشمشي
هاي و هاي و هاي لينا دستك لكنك عيرينا
تنغسل تياب ريما و ننشرهن ع اليسمينة ..
في أغنيتنا الثانية ، نستمع إلى ' فيروز ' و هي تغبط الأطفال على حياة الطفولة ، التي يعيشونها و يتنعمون فيها باللعب ، حينما تتذكر و تسترجع بطريقة ( الفلاش باك ) أيام كانت بنت صغيرة ، لتعود و تمارس تلكم الألعاب الشعبية ، التي تذكرتها ، حينما شاهدت الأطفال و هم يلعبون بالطائرة الورقية ، و تتمنى أن يتوقف بها العمر عند تلك اللحظة و المرحلة العمرية ، و هو شعور اعتيادي ، يصيبنا جميعاً ، حينما تتخبط بنا هذه الدنيا ، فنتمنى لو نرجع إلى طفولتنا لما كنا متحررين من أية مسؤولية ، و لا هم في هذه الحياة لنا سوى اللعب فحسب ، هذا ما نستمعه في أغنيتها هذه :
أغنية : طيري يا طيارة
كلمات : الأخوين رحباني
لحن الموسيقار : فيلمون وهبي
طيري يا طيارة طيري يا ورق و خيطان
بدي ارجع بنت صغيرة على سطح الجيران
...
علـلي فوق سطوح بعاد ع النسمة الخجولة
أخدوني معهن الأولاد و ردوا لي الطفولة
ضحكات الصبيان و غناني زمان
ردت لي كتبي و مدرستي و العمر اللي كان
و ينساني الزمان على سطح الجيران
...
لو فينا نهرب و نطير مع هالورق الطاير
تا نكبر بعد بكير شو صاير شو صاير
يا زهر الرمان ميل بهالبستان
تيتسلوا صغار الأرض و يحلو الزمان
و ينساني الزمان على سطح الجيران ..
أما في الأغنية الأخيرة ، تبدأ بترانيم جميلة على آلة ( البيانو ) تذكرنا بأصوات الموسيقا الصادرة من دُمى و ألعاب الأطفال ، لكأنني بالسيدة ' فيروز ' و هي تغني هذه الأغنية الملائكية - المنسوجة باللغة العربية الفصحى - تلاعب الأطفال أو تتسلى معهم ، و هم يسعدون بألعابهم التي أهدتها إليهم مثل أية أم ، هي أغنية تربوية ، أرادت منها أن تحبّبَّ إليهم لغتهم الأم ، فينشأوا عليها منذ نعومة أظفارهم و ألسنتهم .
ترى السيدة ' فيروز ' من خلال هذه الأغنية - و هي الأم لأربعة أبناء - أنّ أحلى و أدفأ شمس ، هي شمس الأطفال ، حينما يلعبون و يضحكون ، فتملأ بسماتهم جنبات البيت ، لذا هي تهيب بالآباء و المربين إلى ضرورة إسعادهم و إدخال البهجة إلى نفوسهم الصغيرة ، فقـُرة عينها هي ضحكات و فرحة الأطفال ، هذا ما يتخلل هذه الأغنية ، من معان ٍ طفولية :
أغنية : يا شمس الأطفال
للأخوين رحباني
زوري بيوتنا يا شمس الأطفال
و أضيئيها بيوتنا يا شمس الأطفال
لهم حب الدنيا لهم لعب الدنيا
و هم فرح البال يا شمس الأطفال
...
يا يدها يا حرير هزي السرير
فينام و يحلو لي و يغلو و إلى غدِّه يطير
ركضوا ركض النهر
ضحكوا ضحك العمر
و انتشرت أظلال يا شمس الأطفال
...
من قمر و سماء ملأوا البيت هناء
عتبات الدارة أعياد و الأيام صفاء
في الدرب الموصود في الأيام السود
رفقاً بالأطفال يا شمس الأطفال ..
أخيراً و ليس أخراً ، تجدر الإشارة إلى أنّ أغاني السيدة ' فيروز ' في هذا المجال ، غزيرة جداً ، أذكر منها على سبيل المثال لا الحصر : ( يم سليمان – عم يلعبوا الأولاد – يارا ) و غيرها ، و في أعمالها جميعاً ، أدّت هذا اللون ، بكل شفافية و براءة و سلاسة ، لأنّ نجاح هذا الغناء يُستمَد من أي فنان ، تتوافر في صوته و أدائه هذه الخصائص اللازمة .
زياد العيساوي
Ziad_z_73@yahoo.com
'''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''