فيروز و زمان الوصل مع الموشح الأندلسي
فيروز .. من زمن ألف ليلة و ليلة

الجزء الاول
الجزء الثانى
الجزء الثالث
من بين فروع شجرة الأغنية الطربية - الأصيلة منها بالأخص - الموشحات الأندلسية ، لأنها عتيقة ، و تعدُّ من الموروث الغنائي العربي ، الذي عاد إلينا به ، العرب و المسلمون من بلاد الأندلس ، عقب محاكم التفتيش الشيفونية ، التي تعرضوا لها هناك ، فهذا النمط الغنائي ، تأسس في هذا الإقليم الإسلامي ، حيث الخضرة و جمال الطبيعة و التنعم بمذاق الحياة و زخارفها في أجنحة القصور و التحف المعمارية ، التي تركها العرب وراءهم ، كمعالم أثرية - ما تزال إلى وقتنا الراهن ، تشكل رافداً مهماً للدخل القومي لإسبانيا ، و جاعلها منها الدولة السياحية الأولى ، هذا إنْ لم تكُن الثانية ، في قائمة الدول السياحية الأولى في العالم ، بعد فرنسا - و شاهدة على النهضة التي شهدتها هذه البلاد ، إبان التواجد العربي ، فهذه القصور ، لطالما شهدت جدرانها و قاعاتها الفسيحة ، من جلسات فنية ، ليست كتلك الجلسات الفنية المعروفة في الخليج العربي تواً ، بألحانها الساذجة ، لانتفاء اقترابها من أصول الغناء العربي ، بأية وشيجة ، و انحرافها عن جادة الموسيقا العربية ، فالمُدقـِّق بين الألحان العربية في العصور الغابرة ، و العصر الحديث ، يستاء كثيراً ، لما آلت إليه حال النهضة العربية ، التي بارتقائها ، تسمو الفنون ، و بانحدارها ، تمضي إلى الأفول ، كما هي بادئة الآن ، في الاضمحلال ، على الرغم من الإمكانيات المتوافرة ، بين أيدي من يدعون بالفنانين في هذا الزمن ، فبعد تغيّر اللحن الموسيقي ، و كذلك حدوث اللحن في اللغة العربية ، و تعدُّد اللهجات المحلية بتعدد الجهات ، تهجّنت الموسيقا العربية مؤخراً ، و صارت عبارة عن خليطٍ للموسيقا الغربية و التركية و الهندية و الصينية ، و لم يتوقف الأمر عند ذلك فحسب ، و إنما تأثرت حتى بالموسيقا الأفريقية البدائية ، و الملاحظ في غناء وقتنا هذا ، أنه ، قلما يجد السامع ، أغنية منه ، بلحن عربي نقي ، و هذا لا يعني ضرورة ً ، حدوث التدافع الطبيعي بين الفنون الموسيقية العالمية ، بأية حال من الأحوال ، بل حلول إحداها محل الأخريات بالإقصاء ، فهذا ما تعرض له حال الغناء العربي اليوم .
أرادت السيدة فيروز ، أن ترتقي بذائقة المستمع العربي و تربطه بموروثه الغنائي التليد ، من خلال غناء بعض الموشحات الأندلسية المنشأ ، التي أدّتها بحرفية و مهنية فائقتين ، لكأنها من بنات ذلك العصر و المصر ، فارتدت الوشاح في حفلاتها ، التي أسمعت من خلالها المتلقين ، هذا النمط الطربي ، في أصله ، لكنْ بأسلوبها التعبيري ، لما أدّركت ، أنّ استطاعاتها الصوتية ، أكبر من كل غناء قدمته ، و من أنْ يُحجّم في أداء أغاني هذا الوقت ، بل إنها ، من زمن ألف ليلة و ليلة .
و قد مرّت تجربتها هذه و انتقالها إلى غناء الموشحات الأندلسية ، بمراحل عدّة ، حيث إنها نجحت في أداء القصيدة الحديثة جداً ، و الكلاسيكية التي تقترب كثيراً من الموشح ، و الأخير أيضاً ، لكني في هذه المقالة ، سأبدأ في العرض لأعمالها القصائدية ، بطريقة عكسية ، حيث إنني سأستهل كتابتي بالقصيدة الحديثة ، و من بعد ، سأمضي بكم قدماً ، إلى القصيدة الأقرب إلى الموشح ، و من ثم ، سأعود في رحلة عكسية إلى فنّ الموشحات الأندلسية ، في غنائها .. هكذا .
فيروز في القصيدة الحديثة
قدّمت فيروز رفقة " الأخوين رحباني " مجموعة من القصائد الحديثة ، المتحرّرة من أبجديات القصيدة العادية ، التي قدّمها لفيف من مجايليها من المطربين و المطربات ، و تنوعت في مضامينها الشعرية ، و قد أخذت عدة أشكال و نماذج حديثة ، لا شبيه لها ، بين ما هو منتج منها في وقت ظهورها ، و من ضمنها ، هذه القصيدة :

قصيدة : يا لور
للأخوين رحباني
غناء : السيدة فيروز
ــــــــــــــــــــــــــــــ
يا لور حبك قد لوّع الفؤاد
و قد وهبتك الحب و الوداد
ألا تذكري ليالي الصفاء
و عهد عهدناه على الوفاء ؟
الليل و الأحلام و الشاطئ النادى
و الشوق و الأنغام و الموطن الهاني
يا طيبها أيام أحلى من الغفاء
و تنشد الأنسام على الوفا ء ..
فمن اللافت للأسماع في هذا العمل ، أنّ السيدة " فيروز " تتقاسم غناءه مع مجموعة الـ ( كورال ) - حيث إنها ، أدّت البيتين الأولين و كفى - و تسندها ببعض من الحليات الصوتية فقط ، لما تسلم مكبر الصوت لها ، و تنتظر و تنظر في صمت حتى تنتهي الأغنية ، في زمن تجاوز بثانيتين فقط الثلاث دقائق ، و على الرغم من ذلك ، فإنّ في هذه القصيدة ، يكمن شجن لم تألفه القصيدة الغنائية قبلها ، فهي قصيدة شابة في كلماتها و موسيقاها و توزيعها الموسيقي ، و قد جاء صوت السيدة هنا ، على الطبقة المنخفضة ، ليتناسب مع لحنها الرومانسي الهادئ ، الذي هو ما يميّز هذه التحفة الفنية ، باعتماد الملحن على آلة الـ ( بيانو ) المعروفة في بلاد الغرب في هذا اللون من المقام الأوربي الصغير ( المانير ) في الموسيقا الكلاسيكية ، كما أنّ من ميزات هذا العمل ، أنّ فترة الغناء سواء من المطربة أو المجموعة ، جاءت متواصلة ، ثم أخذت الفرقة ، زمام الأمور ، لتتفنّن في التوزيع الموسيقي ، خصوصاً في صول الـ ( كمانات ) التي بدأت من أسفل السلم الموسيقي ، ثم أخذت في التصاعد رويداً رويداً ، و على نحو متسارع الوتيرة ، حتى وصلت إلى أعلى عتبة فيه .
ثمة قصيدة ثانية لها ، تنسبُ إلى القصائد الأندلسية ، لأنها عادة ما تجيء مع مثل أعمالها هذه ، في لائحة أشرطتها ، في حين ، أنني أعتبرها من ضمن قصائدها الحديثة بخاصة ، و العربية بعامة ، ستعرفونها وقتما تطالعون كلماتها هذه :

قصيدة : لا تسألوني
كلمات الشاعر : نزار قباني
لحن الأخوين رحباني
أداء : السيدة فيروز
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لا تسألوني ما اسمه حبيبي .. أخشى عليكم ضوعة الطيوب
والله لو بحت بأي حرف .. تكدس الليلك في الدروب
ترونه في ضحكة السواقي .. في رفة الفراشة اللعوب
في البحر في تنفس المراعي .. و في غناء كل عندليب
في أدمع الشتاء حين يبكي .. و في عطاء الديمة السكوب
محاسن لا ضمها كتاب .. و لا أدّعتها ريشة الأديب
لا تسألوني ما اسمه كفاكم .. فلن أبوح باسمه حبيبي ..
و ما يجعلني أنفي عن هذا العمل ، انتسابه إلى فن الموشحات الأندلسية ، كونه مختلفاً في إيقاعه و مقامه و طريقة أدائه ، و كذلك لعدم وجود المجموعة الصوتية ، التي يكون لها حضور دائم في هذا الضرب الغنائي ، و لنرى بالتعمق في بحره ما وجه الحداثة فيه بالضبط .
يبدأ هذا العمل بجملة موسيقة حديثة جداً ، لم تُسمَع من قبل في أيِّ موشح ٍ أندلسي ، بآلة موسيقية وترية ، أحسبها القيثارة ، تمتزج نغماتها مع مجموعة من الآلات ، مكونة معاً ، مقدمة موسيقية خادعة للسمع ، حيث إنها ، لا تتماهى مع غناء " فيروز " في مطلع الأغنية ، إذ أنه ، يجيءُ بأسلوبٍ هادئ ٍ، كما في القصيدة السابقة بخاصة ، و كما في القصائد المعروفة عربياً ، بصفة عامة ، حتى أن إيقاعها غير بائن ، و لا يكاد الواحد منا ، أنْ يسمعه بوضوح ، و قد أستعيض عنه في هذه الأغنية بصوت الـ ( باص ) في الآلات الوترية ، ما يعني أنّ الملحن أراد من البداية ، أنْ ينزع عن هذا العمل صفة التطريب - بتحريك الأطراف ، أو على الأقل الرأس ، عند الاستماع إليه ، و قوّلبته في إطار التعبير ، الذي نوهت إليه في أول مقالة ليّ من خلال هذه السلسلة ، التي أعدّدتها عن السيدة فيروز - اللازمة في القصائد بوجه عام ، و هو النهج نفسه ، الذي أنيط بالسيدة في غنائها ، من خلال أدائها على طبقة منخفضة ، فقد أريد منها ، ألا تخرج عن الأداء التعبيري .
عموماً ، فإنّ الأبيات التي نظمها الشاعر " نزار قباني " كانت سهلة الفهم و غير عصيّة على أي مستمع ، فهي بسيطة في مفرداتها و غنية في تعبيرها عن هذه الوجدانيات ، التي تتغنى بها " فيروز " و هي تجيب عن السؤال غير المطروح ، الذي تنهى عن طرحه ، و توضح للسائل ، كيف يعرف حبيبها من خلال هذه التشبيهات و الاستعارات ، و لعلّ الجدير بالذكر هنا من خلال هاتين الأغنيتين ، أنهما من السهولة بمكان على الأداء بالنسبة للسيدة " فيروز " ربما لغاية في نفسي " الأخوين رحباني " و هي إظهار " فيروز " بهذا المظهر الجديد في غناء القصيدة العربية الحديثة .
و هناك قصيدة ثالثة لها ، هي من الحداثة ، لدرجة أنني أرى ضرورة ، استبعادها كلياً ، عن قائمة الأندلسيات ، إذ ليس لها هي و القصيدة الأولى ، أية علاقة بفنّ الموشحات الأندلسية ، لا من قريب و لا من بعيد ، إلا بأسلوب النداء فقط ، الذي يهيمن كثيراً على تلك القصائد التي هي ضمن تلك القائمة مثل : ( يا وحيد الغيد ) و ( يا زائري في الضحى ) و هي :

قصيدة : يا عاقد الحاجبين
شعر : الأخطل الصغير
لحن الأخوين رحباني
أداء : السيدة فيروز
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
يا عاقد الحاجبين على الجبين اللجين
إن كنت تقصد قتلي قتلتني مرتين
تمرُّ قفز غزالٍ بين الرصيفِ و بيني
و ما نصبت شباكي و لا أذنت لعيني
تبدو كأنك تراني و ملء عينك عيني
و مثل فعلك فعلي ويلي من الأحمقين
مولاي لم تبق مني حياً سوى رمقين
أخاف تدعو القوافي عليك في المشرقين ..
يتطيّر العرب كثيراً ، من ذوي الحاجبين المعقودين ، إلا أنّ الشاعر الكبير بشارة الخوري ( الأخطل الصغير ) لا يتطيّر منهم ، بل يطير إعجاباً بهم ، و يرى في هذه الصفة ، ملمحاً جمالياً في خلقة الإنسان ، فنظم فيهم هذه القصيدة في المهجر في أربعة أبيات فقط ، و بذا يكون قد حدّث في الرؤية الموروثية للعرب بهذه الخصوص ، و كان المضمون مهمازاً ، لأنْ يبعث في عربة قريحة " الأخوين رحباني "هذا اللحن الحديث لهذه القصيدة ، ذات الطابع الموسيقي الراقص و البديع ، الذي أرادا منه ، أنْ يحيي الفرح في أنفس هؤلاء المنتمين إلى هذه الشريحة ، التي عانت كثيراً من هذا التشاؤم الجاهليّ ، الذي يقابلهم به الناس ، لا لشيء ، سوى لأنهم على هذه الصورة الخلقية ، حتى ذهب الشاعر بتعبيره ، إلى أبعد من ذلك ، فقد ارتأى في أنّ هذه الصفة ، قد تكون سبباً مباشراً في الإعجاب إلى حدِّ العشق ، و هنا وجه الحداثة في المضمون ، و أما فيما يتعلق باللحن ، فهو كما أشرت ، لحن جاء على جملة قصيرة و راقصة عُرف بها الرحابنة مجتمعين ، في العديد من ألحانهم للسيدة " فيروز " و كان هو الآخر سهل الأداء بالنسبة لها ، كما في أغنيتيها الأوليين ، بدليل أنّ أختها الفنانة" هدى حداد " قد أدت القصيدة الثانية ( يا لور ) في إحدى المسرحيات أو هي الـ ( أسكتشات ) التلفزيونية ، لكنّ السيدة " فيروز " كانت معبرة أكثر في أدائها هنا .. يتبع .
زياد العيساوي
بنغازي – ليبيا
28 / 1 / 2010
'''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''