اتصل بنا 
ملاحظات الزوار 
  • Libda in English  
  • من بدائع الغناء العربي

     

    حين سطوع نجم مطربة الجيل ، الفنانة السورية " ميّادة الحناوي " استبشر المهتمون بفنّ الغناء العربي خيراً في صوتها ، الذي كان قد مثــّـل أملاً جديداً في مواصلة مسيرة الروّاد الأولين ، لِما احتواه هذا الصوت الجميل في حالاته و طبقاته جميعها ، غير أنّ في وقت ذروة صوتها ، اكتسحت الغناء العربي ، تلك الموجة العاتية ، التي ضربت بأطنابها ساحل الغناء العربي ، فاقتلعت منه كل ما كان لنا من قيم فنية جمالية فيه ، لأنّ ساحل تلك الأغنية في ذلك الحين ، كان عارياً ، بعد رحيل جهابذة الغناء العربي الكبار ، فلم تبقَ على شواطئه من المصدات الفنية ، التي تستطيع أنْ تجابه هذه العاصفة ، أية واحدة منها ، و كل من ظلّ بعدها على قيد الحياة ، أوان ظهور هذه الموجة الهابطة ، لم يتمكن من الوقوف أمام سبيلها و سيلها ، لأنه لم يكـُن في مثل سوية أولئك الثلاثة ، الذين عرفهم تاريخ الغناء العربي المعاصر ، في المئة سنة من تاريخ القرن العشرين ، و هم " فريد الأطرش " و " أم كلثوم " و " عبد الحليم حافظ " الذي مرّت ذكرى رحيله الثالثة و الثلاثون في الأيام القليلة الماضية .

     

    الموسيقار الكبير : رياض السنباطي

     

    الفنانة " ميّادة الحناوي " نشأت في بيئة موسيقية صحيّة ، و نهلت منها أصول الغناء العربي الصحيح ، الذي قيّض لها أنْ تجلس في محراب الموسيقار العربي الكبير " رياض السنباطي " ذلك الصائغ لأجمل البدائع الغنائية العربية في موسيقاها و أساليبها ، و الأب الروحي لأكثر من فنان و فنانة عربية ، تمسكوا بيده ، و أوصلهم إلى حيث يجب أنْ يبقوا و يكونوا ، المعتزّ بإرثه و هوية فنّه و ثقافته ، و المُنقـِّب على الدُّرر الكامنة في أعماق بحار الموسيقا الشرقية ، فقد كان هو الآخر ، كالطود الأشم في مواجهته ببسالة ، لتلك الأصوات ، التي لا تفقه في الغناء شيئاً ، فلم يداهن و يهادن على حساب الفنّ العربي الأصيل ، و لم يُهدِ ألحانه إلا إلى أصحاب و صاحبات الأصوات الجميلة ، مثل " أم كلثوم " و " أسمهان " و " هدى سلطان " و " نجاح سلام " و " فائزة أحمد " و غيرهن ، فقد كان حاداً في فنه ، كما السكين ، لقطع دابر كل دعيّ عليه ، بالقدر نفسه ، الذي كان فيه قريباً من كل صاحب حنجرة عذبة النبرات ، محيطة بأصول الغناء ، كما هي الفنانة الشابة " ميّادة الحناوي " حينئذٍ ، أي وقت أنّ أمدّها في أواخر سبعينيات القرن المنفرط ، برائعة من روائع الغناء العربي المعاصر ، و هي :

     

    مطربة الجيل : ميادة الحناوي

    قصيدة : أشواق

    ***

    كلمات : مصطفى عبد الرحمن

    لحن الموسيقار الكبير : رياض السنباطي

    ***
    أيها الناعمُ في دنيا الخيال ِ

    تذكر العهد و ماضي الصفحات ؟
    أعَلى بالك ما طاف ببالي

    من ليال ٍ و عهود مُشرقات ٍ ؟
    لا رأت عيناك شكـّي و ضلالي

    و حنيني و لهيب الذكريات ِ
    عندما يعرضها الماضي لعيني

    صوراً تجلو الذي ضيَّعت مني
    من ليال ٍ في هوانا راقصات ٍ

    ***

    هتف الصبح و غنى بنشيد ٍ

    رائع اللحن شجيّ النغمات ِ
    كالمُنى تـُقبل كالحلم السعيد

    في خيالي كابتسام الزهرات
    بَيدَ أني لا أبالي بالوجود

    و لياليه الحِسان النيّرات
    إنْ يكُن قلبك لا يسمع لحني

    فلمن يا فتنة الروح أغني
    للهوى سرُّ المعاني الخالداتِ ؟ ..

    ***
    آهٍ لو تسمعني .. أشكو الجوى يا حبيبي
    أه تسمعني .. و ترى القلب و نيران الهوى و لظاها و دموع الشجن
    لترفقتَ بقلبي .. فانطوى ما بقلبي من هوى أرقني ..

    ***
    أين أحلام شبابي ؟ أين مِنّي ؟
    أمسيات من فتون و تمني

    و عيون الدهر عنا غافلات
    يا حبيبي أيقظ الماضي شجوني

    حينما طافت رؤاه في خيالي
    و تلفّتُ بعيني ليقيني

    فإذا الحاضر كالليل حيال
    و إذا بيّ قد خلت منك يميني

    و انطوى ما كان من صفو الليالي
    طال بي شوقي لأيام التغني
    و ليالٍ كن بعضي غاب عني

    فأعد ليّ من انطوى من بشريات ..

     

    عجبتُ من قوم ٍ ، لا يعرفون قيمة ما تركه مبدعوهم من فنون و إبداعات ، ففي هذه القصيدة ، كأنني بالملحن الكبير " السنباطي " قد أحسّ بأنه سيأتي على الغناء العربي يومٌ ، يصيبه فيه ما قد أصابه في هذا الوقت ، فاختار هاته الكلمات العاطفية في معناها ، ليعاتب الجمهور على إهماله لهذه الفنّ ، و ركضه وراء زيف ما يسمونه غناء ، في هذه الأيام التعيسات على الأغنية العربية ، التي توقفت عقارب ساعتها عند هذه البديعة ، و لم يسجّل تاريخ الغناء العربي في موسوعة روائعه بعدها أية أغنية في مستواها ، فتوقفت عجلة الغناء عند هذه المرحلة ، بعد رحيل هذه القامة الغنائية العالية في عام 1981 ميلادياً ، لتثبت بذلك ، صحّة ما ذهبت إليه في غير مقالة سابقة ، بيد أنني أرجعت سبب تأخر الأغنية العربية في الثلاثين عاماً الماضيات إلى غياب الملحنين الكبار ، الذين لم يأتِ في ركبهم من هو على شاكلتهم و موسيقاهم و حرصهم على احترام ذوق العامة و السمو به .

    فهو لما لحّن هذه الكلمات ، التي تقول فيها " ميّادة " بصوتها الفاتن :

    لا رأت عيناك شكـّي و ضلالي

    و حنيني و لهيب الذكريات ِ
    عندما يعرضها الماضي لعيني

    صوراً تجلو الذي ضيَّعت مني
    من ليال ٍ في هوانا راقصات ..

    أشعر بأنه ، لا يقول على لسانها ( صوراً ) بل ( أغاني ) بدليل أنه يتبع هذا المقطع الجميل بالمقطع الثاني من العمل مصرحاً :

    هتف الصبح و غنى بنشيد ٍ

    رائع اللحن شجيّ النغمات ِ
    كالمُنى تـُقبل كالحلم السعيد

    في خيالي كابتسام الزهرات
    بَيدَ أني لا أبالي بالوجود

    و لياليه الحِسان النيّرات
    إنْ يكُن قلبك لا يسمع لحني

    فلمن يا فتنة الروح أغني
    للهوى سرُّ المعاني الخالداتِ ؟

     

    فهو في هذا المقطع يتحسر على ما بناه و زملائه من إرث و زخم موسيقيين زاخرين بالنغمات ، التي لا يمكن حتى للجاحد أنْ يهملها ، لذا فهو يرفع عقيرته متأوهاً ، بصوت هذه المطربة الشابة آنذاك و الدائمة الشباب ، جاعلاً القصيدة تنادي في طرب في المقطع الثالث : " آهٍ لو تسمعني " فهو هنا يتذكر شباب غنائه ، حينما يوكل إلى هذه المطربة الشابة غناء البيت القائل :

    أين أحلام شبابي ؟ أين مِنّي ؟
    أمسيات من فتون و تمني

    و عيون الدهر عنا غافلات ..

    نعم فعيون و أسماع الدهر غافلات عن هذا المبدع ، الذي لست أعرف لما نتباكى على فننا و قد ترك لنا هو و مجايلوه ذخيرة من الأغنيات ، و منها هذه القصيدة الرفيعة الشأن ، التي تكفينا طويلاً ، و نتمرس خلفها ضد هذه الهوجة ، لما احتوته من فنون في الكلمة و اللحن و الأداء .

    جماليات هذا العمل :

    الخيال يرين على أغلب ألحان الفنان الكبير " رياض السنباطي " و هذه الأنشودة تعد أنموذجاً لذلك ، فهي تبدأ بصول لآلات الكمان ينتشل المستمع من أرضه ، فيحول أذنيه إلى جناحين طائرين ، و يرحل به رُقيّاً هناك ، حيث النجوم ، ثم بدندنة على آلة العود ، تنشيطية النغم ، تهيأ المستمع لما سيأتي بعدها ، فهذه التسليمة الموسيقية ، كما البساط الذي يُفرش إزاء أسماعنا ، و لأنّ الخيال يهيمن على ألحان هذه المبدع ، فلا غرو إذن ، أنْ تأتي في أول ( كوبليه ) من هذه الأغنية لفظة ( الخيال ) بعد نداء النائم ، فهو يريد من النائم ، أنْ ينشّط ذكرياته ، كي يمرّر على ناظريه صوراً من ذلك الماضي ، فتأتي كالشريط أو الموسيقا التصويرية ، التي تتوافق مع نمط الصور ، التي يتوجّب عليه إيقادها ، فإذا ما قارنا الجملة الموسيقية نجدها مُفرِحة ، على الرغم ممّا يصاحبها من حزن في جملتها الموسيقية و في نبرة الحزن الشفافة ، التي تظـّهرها هذه المطربة الكبيرة ، فهي من طعم سعادتها ، يعزّ على النفس فقدانها و ضياعها ، و ذاك يتجلى في شدوها بهذه المفردات :

    عندما يعرضها الماضي لعيني

    صوراً تجلو الذي ضيَّعت مني
    من ليال ٍ في هوانا راقصات ..

    و للتأكيد على هذه المعاني ، يأتي فاصل موسيقي فيه من الحيوية ما فيه ، للحد الذي يجعلك في أهبة الاستماع لهذه المعاني : هتف الصبح و غنى بنشيد ... إلخ .

    ما زلنا هناك ، حيث صعد بنا لحن هذا الملحن الكبير على أجنحة هدير صوت هذه المطربة القديرة إلى النجوم ، نعدها واحدة واحدة ، و ما أجمل ما صنع بنا ، حينما نستمع إلى جملة موسيقية منه ، تمتزج بصوت و آهات " ميادة الحناوي " في أجمل مقطع موسيقي و لحني تستمعه أذني ، ذاك المقطع الذي تقول فيه : أه لو تسمعني .. إلخ .

    فيا لها من مقطوعة شجية و مبهرة ، فاقت حدود الخيال ، جمعت بين الإنشاد الصوفي و الخيالي ، و خاطبت في المتلقي روحه و عقله و وجدانه .

    فلا عجب ، أن} يكون هذا الموسيقار مدرسة ، تخرجت فيها أسماء موسيقية و غنائية كبيرة ، امتد تأثيرها إلى بلدان عربية كثيرة ، فحتى في " ليبيا " ظهر جيل من الملحنين ، الذين اشرأبوا نمط هذا الموسيقار الكبير ، منهم على سبيل المثال ، الموسيقار الراحل " محمد الدهماني " الذي أوقدت فيه موسيقا الملحن الكبير " رياض السنباطي " تجليات الروح ، فنغـّم من ألحانه ابتهالاً دينياً ، لا يعرفه العديد من المستمعين العرب ، و مع ذلك ، فإنني أعدّه من روائع الغناء العربي المعاصر ، و قد أهداه إلى صوت المطربة التونسية الكبيرة " زهيرة سالم " ذلك الصوت المنتسب شرعياً إلى مدرسة الغناء العربي المتقن ، و إلى المدرسة السنباطية ، التي تخرجت فيها ، أعظم الأصوات العربية بفضل و فعل الألحان النموذجية ، التي عُرف بها ، على الرغم من أنّ الموسيقار " رياض السنباطي " لم يمدها بأي لحن من أعماله ، عموماً ابحثوا عن هذا الابتهال و استمعوا إليه و ستذهلون من جُمله و موسيقاه ، التي لا تبتعد كثيراً عن موسيقا ابتهال ( ولد الهدى ) الذي لحنه " السنباطي " للفنانة اللبنانية " نجاح سلام " ، و هذه كلمات ابتهال ( بدا للكون نورك نبينا ) للملحن الليبي الراحل " محمد الدهماني " :

     

    المطربة التونسية : زهيرة سالم

    لأستما ع ألأغانى يجب تحميل برنامج
    flash player
    من آلعنوان ألأتى

    Adobe Flash Player 9

    بدا للكون نورك نبينا

    فسبحت الملائك أجمعينَ

    و طافوا بالبشائر مُنشِرين

    بنور الحقِّ خير المرسلين

    ***

    سرى بموكب البشر الضياء

    و للبشرى تزيّنت السماء

    و كبّر للجمال الأنبياء

    و للرحمان صلوا شاكرين

    بدا للكون نورك يا نبينا

    ***

    رسول الله يا صبح اليقين

    و من في النفس لـُقـِب بالأمين ؟

    بُعِثت مجملاً بأعزِّ دين

    و هديٌ مُشرقٌ للعالمين

    بدا للكون نورك يا نبينا

    ***

    جمعت الناس من بعد اختلافٍ

    ٍعلى خيرٍ و حبٍّ و ائتلاف

    و دينك بلسم بالحق شافٍ

    و كنز دائمٌ للمسلمين

    بدا للكون نورك يا نبينا ..

     

    زياد العيساوي

    Ziad_z_73@yahoo.com

    بنغازي – ليبيا

    12 / 4 / 2010

     

    feedback

    adabiat fania

  • Modawna
    للكاتب زياد العيساوى
  •  

    جميع حقوق الطبع محفوظة© Copyrights reserved . www.libdacafe.com