اتصل بنا 
ملاحظات الزوار 
  • Libda in English  
  • الغناء الصوفي



     

    زياد العيساوي / الإنشاد الصوفي ، من صنوف الغناء العربي المعروفة و الأكيدة النسب إليه ، إلا أنَّ هذا النمط الغنائي المشهور ، يكاد أنْ يكون مُعمَّماً على سائر رقعة الوطن العربي ، و لست أعي سبباً مُحدَّداً وراء شيوع و انتشار قصائده على نحوٍ موحَّدٍ ، و غير مختلف ، كما في الألوان و الطبوع الغنائية الأخرى ، فقد يتكرس بعض من المقامات الموسيقية العربية في منطقة ما ، من دون سواها ، ليس على مستوى الوطن الكبير ما أعنيه فحسب ، بل حتى داخل القطر الواحد ؛ فالغناء الدنيوي ( العاطفي و ما هو في حكمه ) و على الرغم من تنوع مقاماته ، و اختلاف درجاته الموسيقية ، التي بعضها يُعرَف بربع الدرجة ( ربع التون ) و هي الدرجة التي يمتاز بها السلم الموسيقي العربي عن الموسيقا الموجودة في أصقاع أخرى ، و بخاصة في مقام ( الرصد ) غير أنّ بعضها قد يُعطّل في جهات بعينها ، بخلاف الإنشاد الديني ( الصوفي و ما شاكله ) فهو و كما أسلفت ، عامُ ُ و غير خاص ، فأية قصيدة منه ، تُنشَّدُ في المنارات ( الزوايا ) الصوفية ، باختلاف طرقها و تعدُّد أورادها ، و كذلك كل نشيد ديني ، يؤدى في الابتهاجات الدينية في ( ليبيا ) على سبيل المثال ، هما ذاتهما المُقدَّمان في ( الجزائر ) أيضاً ، كما أنهما المعروفان في ( مصر ) و بلاد ( الشام ) كذلك .

    لكني أحسبُ بأنَّ ما كان داعياً إلى السبب الذي أشرت إلي انتفاء معرفتي به ، عند تقديمي لهذا المقال ، و هو معرفة العرب بهذا الغناء بصفة موحدَّة ، هو أنّ القصائد المندرجة تحت مسمى هذا النمط الغنائي ، و المنتمية إليه ، هي أقرب ما تكون إلي فنِّ الموشحات ، هذا الفن العربي القديم و الأصيل ، الذي عهده العربُ بعد انتشار الحضارة الإسلامية ، بكل مظاهرها و علومها و فنونها ، بفضل العلماء و الموسيقيين ، مثل : ' زرياب ' و ' الفارابي ' و غيرهما من روَّاد ، قاموا أثناء ترحالهم و بحثهم عن العلم ، بأخذ هذه الفنون معهم إلى كل الأمصار و البلدان ، التي انضمت إلى الجغرافيا السياسية الإسلامية ، حتى استقرت إلى وقت مديد في بلاد ( الأندلس ) و سطعت نجوم موسيقيين آخرين فيما بعد ، منهم : ' زيدون ' و ' عبّدون ' .

    و حقيقة القرابة بين ما كان من ذلك الغناء ، و الإنشاد الديني المستمر لدينا إلى وقتنا الراهن ، ليست بخفية ، فهي بائنة و واضحة الملامح ، حتى بمقاربات بسيطة ، سنجريها على قصيدة مُهمَّة في الإنشاد الصوفي ، و معروفة في الأقطار العربية كلها ، فلو ذكرنا قصيدة ( يا أبا الزهراء ) القائل مطلعها :

    يا أبا الزهراء يا سندي .. جُد ليّ بالإحسان .. هب ليّ قدراً

    نجد أنّ لحنها ، هو نفسه لحن الموشح المعروف ( يا إمام الروح ) و المعروف في مدينة ( حلب ) السورية ، بأنه من ( القدود الحلبية ) من حيث التلحين و الوزن الشعري ، التي عُرف بتقديمها الفنَّان ' صباح فخري ' .

    الجميل في هذا الغناء ، أنه يؤدى حتى من دون عزف موسيقي مصاحب للإنشاد ، أو على الأقل ، يُنشَّد على وقع الدفوف ، بضبط إيقاعي محكم الأوزان و مدروس ، كما أنّ الرائع فيه أيضاً ، أنه يؤدى بهيأة جماعية ، فيها من التماهي ما فيها ، و فيها من الاندغام ما فيها ، إذ يُشاركُ فيه المتلقي من دون تكلفة و لا تكلـُّف ، مثلما يحدث في أداء الابتهالات و القصائد الدينية في مناسبة ( المولد النبوي الشريف ) ما يصطلح على تسميته في الزوايا الصوفية ، و بصفة عامة ، بـ ( البرزنجي و البغدادي ) و هذه نقطة ثانية ، يتقاطع عندها الغناء الصوفي مع فنِّ الموشحات ، و هي صفة الإنشاد الجماعي ، و تـُضاف إلى الأولى في هذه المقاربة المُجراة بينهما في هذه الفقرة .

    فلله دُرّ هذا الغناء الديني المُحبِّب في رسول الله عليه الصلاة و السلام ، و المُهذِّب للنفس بالزهد و الانصراف عن مباهج و زخارف الدنيا ، و الدَّاعي إلى السير على خُطى الصحابة رضيّ الله عنهم و أرضاهم و الاقتداء بشمائلهم ، و إلى تقفـّي نهج الصالحين الأبرار ؛ فهذا النوع من الإنشاد ، أراه من أجناس الأدب ، لكونه يتبنى معاني و مضامين ، تـُصلح من شأن المرء ، و لأنه لا يُخاطبُ الجسدَ لا بل الروحَ ، و أصدقُ دليل على ذلك ، أنك ترى الحاضرين يعيشون بوجدانياتهم ، و هم يصغون إلى كل معانيه و ألحانه التي تـُطربُ الروح ، و لا يثيرون أي مظهر من مظاهر الانتشاء الطربي الجسدي المعروفة لدى الاستماع إلى الغناء الدنيوي ، من رقص و تصفيق و نطّ ، اللهم إلا بعض الإيماءات الإيمانية لا الإرادية ، بعد أنْ تعيش قلوبهم الطقوس الروحانية ، و بعد أن تتشبّع أرواحهم و مكنونات أنفسهم بالتفكر و التدبر ، ففي هذا الضرب الإنشادي ، بهجة للروح و النفس و العقل معاً .

    زياد العيساوي – ليبيا

    بنغازي في : 26 / 2 / 2008

    Ziad_z_73@yahoo.com

     

    feedback

    adabiat fania

  • Modawna
    للكاتب زياد العيساوى
  •  

    جميع حقوق الطبع محفوظة© Copyrights reserved . www.libdacafe.com