خالد مطاوع في عمله الشعري الجديد موريسكو
خالد مطاوع في عمله الشعري الجديد موريسكو
بحث عن المعنى والرحيل الدائم من أجل احتضان الشعلة
ابراهيم درويش / ليبيا هذه الايام في كل مكان، في عناوين الاخبار، وفي الصور، الامكنة فيها صارت اكثر وضوحا، وسكانها في مركز الضوء، وليبيا وجه آخر في الاعلام الغربي حيث لا تزال تداعيات الافراج عن عبدالباسط المقرحي من سجنه الاسكتلندي تتواصل . وكعادة الاعلام البريطاني فهو ينشغل بالقضية حتى يحلبها حلبا ويضيق الناس بتكرار التفاصيل المملة حول معلومات عن تفجير لوكربي تعاد بعناوين جديدة. وللهروب من حالة الفيضان التي يواجهها القارئ للصحف يبحث الواحد منا عن قراءة اخرى تبعده أوّلاً عن جنون الدراما العربية الرمضانية التي لا تختلف عن هوس الاعلام البريطاني بلوكربي، ويفتش عن كتب لم يقرأها وظل يعد بقراءتها على امل ان تسنح الفرصة. وفي هذا الجو وجدت من المناسب العودة لديوان اصدره العام الماضي الشاعر الليبي (الامريكي) خالد مطاوع اموريسكو' او المورسيكي، الذي نراه تجربة جديدة في مسار الشاعر مطاوع بعد ديوانه 'خسوف الاسماعيلية
ولا نريد التعجل والحكم على اهمية الديوان منذ البداية ولكن ما يثير في تجربة خالد مطاوع هو كثافة اللغة الشعرية، وعمق الوعي بالعلاقة بين الشعر والذات والمنفى والمكان الاصلي . فقصائد الديوان وان بدا بعضها قصيرا الا ان بعضها الآخر ينحو منحى القراءة الملحمية ليس لتاريخ بلده الاصلي، ليبيا، ولكن لتاريخ الشمال الافريقي حيث يستعيد قصص احفاد ماركوس اوريليوس الجدد وعلاقة الساحل بشواطئ الموت الجديدة التي تؤدي الى روما. ففي الديوان الحالي يواجه القارئ بكم من اسئلة التاريخ والرموز التاريخية التي تستعيد تاريخ المسيحية في الشمال من عهد القديس اوغسطين لوصول الاسلام، وفي ثنايا القراءة يعيد الشاعر تشكيل رحلة الافارقة من عمق افريقيا الى الساحل، ينفخ في الرحلة حياة البحث عن الماء ومواجهة الريح، وعبق الشاي الاخضر .
وفي شوارع وآثار اسبرطة يرسم هناك مسار التاريخ، ويختلط برائحة الشاورما والهريسة التي تعلم الحياة كما هي وتؤطره في اطار التاريخ، فكتاب/ ديوان مطاوع هو عن التاريخ ولكنه ايضا عن الاسرار التي صنعت التاريخ، وهو عن الرحيل ولكنه عن المكان ومصير الانسان فيه، عن العبور بين الثقافات والجسور ومواجهة الصعاب والحكايات التي تدور بين البحارة الذين يشربون الشيشة المقدمة بأكثر من مذاق. لكن المهم في هذه المجموعة التي نشرت في مجلات شعرية قبل ان تجمع هي وعيها الخاص بعلاقة الذاكرة والتاريخ ومرجعية الماضي بالحاضر. فهناك رابط يربط بين اوغسطين المواطن الشمال الافريقي الذي كان يأكل الثريد المحلى بعسل الاطلس، برائحة القرفة واللوز المكسر، لكن في تزاوج دفء الثريد وحلاوة عسل الاطلس قصة اخرى عن البعد والانفصال عن المنارة التي لم تكتمل والتي بناها مهاجرون يعيشون في شوارع الهجرة في روتردام ، وظلت مثل الفنار تحن الى المسجد الذي لم يبن بعد. يعي مطاوع اهمية المكان وتشكيله لحيوات اناسه لكنه في قصصه الشعرية يبدو سلسلة من الرحيل من القلب، الصحراء للساحل للماء ثم لقوارب الموت التي يصل منها سالما الى بر الامان الآخر وتأكل اسماك البحر من لم يصل. فهو يقول 'من الصعب ملاحقة رحلة الراحلين هؤلاء، بعضهم بدون سترة نجاة ولم يتعلم السباحة ابدا، لماذا لا نسمح لهم بالحياة في النص كما الحياة، لقد عاشوا بدون كلمات/ كلام لزمن طويل، لماذا لا نخلي سبيلهم من المرساة ونتركهم للنهاية'. تبدو الرحلة، اي رحلة احفاد اوريليوس واغسطين للجانب الآخر خاوية، مثل الرمل المتسرب من اليد. انهم ابناء 'ام بسيسي' 'اود ان اطلق عليهم مواطني المصير الابدي، محليين، اسخياء، غرباء وفلاحين' ولأن الشاعر قد يكون واحدا منهم، حياته قصة من قصص الاقتلاع الابدي، يدعو نفسه، يواجهها بصيغة المتحدي قائلا 'اعترف انك لست ايا من هؤلاء، وانك لست واحدا من هذه (الاسماء) بل ليس كلها مجموعة .
يثير الشاعر بوعي قصة قوارب الموت التي تحمل على متنها افارقة حالمين لكن على خلاف اوريليوس فهم يقاومون الظروف، الموت الذي يتشكل على صورة الخراج او الورم، ويحملون في قلوبهم الخجل، بعضهم يعمل سائقا في مدينة يونانية او ايطالية، وعلى الرغم من ملامح التواصل إلا أن الشاعر ذكرنا انه سينتهي بلا شيء عندما يتبع خطى اوريليوس للابدية، ينتهون بأيد فارغة 'ماركوس اوريليوس، احفادك يعرفون انني سأرحل كما ارجع خاوي الوفاض'، لماذا؟ لأن الشاعر هنا يتحدث عن معنى الرحلة الى معبد هذا الامبراطور المتنور في قصيدته المطولة التي تتكون من 12 حركة ' شرق قرطاج: انشودة رعوية' وهي نشيد عن الرحيل والمكان والموت والحياة، والمصير . وفي البداية يستعيد قصة الشاعر العربي من الاطلال لكن لماذا اختار واصحابه السرية؟ .
وبدلا من استعادة ذكرى الطلل ينادي المعبد او ما تبقى منه 'انظر، ماركوس اوريليوس، جئنا لزيارة معبدك، خدعنا الحرس، زحفنا عبر ثقب في السياج، لماذا اختار احفادك، دليلي ورفاقي السرية، لا اعرف' تبدو هنا مقاربة بين زيارة المعبد المسيج وبين رحلة الخائفين والطامحين لعبور البحر الى الشاطئ الاخر فهو يواصل في المشهد الثاني من النشيد قائلا 'لكني اعرف ماذا اطلق على الافارقة، بدون هويات، ذوي العيون الصفر، من سيركبون القوارب (البحر) امامي تجاه نابولي '.
ما يهم في مشهدية القصيدة انها ترسم صورة عن الغضب الظاهر في البحر المنتظر الصيد الافريقي هذا والسماء الغاضبة التي تلوح بعواصفها 'قبضتها' كي تنهي او تعوق وصول القوارب الى هناك. في رسمه لمشهدية رحلة الموت لا يغيب عن الشاعر ملاحظة العلاقة بين الاثر والزبالة المنتشرة حول المعبد 'الآثار ليست آثارا بدون هذه الزبالة'، فما تبقى من اسبارطة اسواقها التي ينتشر فيها الباعة المتجولون او الذين يعيشون على السياحة، وهنا على الرغم من سيريالية ما يراه الا ان شيئا احسن من شيء فما رآه ذكره بمدينته القديمة، هنا قرب الآثار، نادل سوداني يحمل صينية عليها ابريق كبير من الشاي الاخضر والنعناع، ومن بين الرجال بزيهم كان يبحث عن وجه والده لكنه استفاق على ذكرى والده عندما رأى امرأة بعباءة تفوح منها عطور شانيل عند بائع الفلافل والشاورما، وعندما وضع البائع الهريسة الحارة على الساندويتش استفاقت في داخلة شهوة الطفولة القديمة وشهوة العطر الجميل. يعيد في المشهد هذا، الثالث، رسم الحياة حول المعبد. تلال من البرتقال والرمان وخضروات الموسم، وما تبقى من لحم الحمل المذبوح، وصواني الكبد والكلى والدماغ التي تنتظر الشيّ كل هذا في سوق تعلق فيه السجاجيد، هنا عين الشاعر لا ترى المشهد بل ترسمه، كل هذه الاستعادة للمكان لنقل اجواءه او ما تبقى من الاثر الذي كسره المحليون لصنع الفخار لكن بقي منه ما يفي بالذاكرة. 'شرق قرطاج' هي انشودة في التاريخ والرحيل والناس من يرحل منهم للشاطئ الآخر ومن يلتهمه سمك البحر لينتهي في شباك الصيادين اليابانيين والكورييين الباحثين عما تبقى في البحر من سردين ورنكة 'هيرينغ'. في ظننا تظل قصيدة قرطاج في مركز هذه المجموعة على الرغم من مكانها قبل نهاية المجموعة، ولكنها تحمل في اشارتها للمكان والتاريخ الكثير من ملامح تطور التجربة الشعرية وكثافة اللغة وعمق المعنى. فقبل هذه القصيدة ظل الشاعر يتحدث عن الرحلة وضرورتها 'لم يعد لدي القدرة على الحديث عن الابعاد، على الجسد الرحيل كي يتحدث لنفسه'، لأن اهل بلده ما هم الا حشد من اكاذيب الشتاء. ومن هنا لا بد من الاشارة الى اهمية الاحالات للمطر والبحر والبحيرة والرمل في معظم قصائد الشاعر وتغير الفصول وعلاقة ذلك بما تقدمه الارض .
وفي الوقت الذي يتخفى فيه الناس من المطر في مكان الشاعر البعيد عن الارض ينزع الاب قبعته في البلد ويرحب بالمطر حاملا الطين داعيا وراجيا رب المطر 'في مزرعته، يزرع الاب ما يمنحه الموسم، هكذا يزرع محصوله: ينزع قبعته ويترك المطر يتحدث اليه، حاملا قبضة من الطين وداعيا ' مشهداً جميلاً عن المطر كرحمة وليس كلعنة. ليس الزمن الذي يستعيده الشاعر هنا الزمن المغرق في تاريخيته ولكنه منشغل في قصائد اخرى باجتراح ذاكرته عن الجمع وايام العطل التي تذكره بطفولته، حداثته وشبابه وكيف انه يحمل في يديه حروق الذاكرة ونار الرحلة التي تأبى ان تغادر، وفي السياق نفسه ينقل الينا ما يراه ويسجله من تجربته في امريكا، كأمريكي، التي لا تنفصم عن تجربته التي حملها معه من امه 'البعيدة' ـ فالرحلة بالنسبة اليه هي استيقاظ دائما للذاكرة' لا تنم/ لا تنم الآن، لأنك اسكنت حنينك في الم الكلمات' تبدو التجربة او مثيلها في التجربة الامريكية اشبه باستعادة ووقوف على حنين الذكريات، هنا صور متعددة عن السيارات المهترئة، الغيتارات الخالية من الاوتار والطبول المقعرة، التلغرافات التي لا تجد ردا .
الرحلة التي تشعبت اهتماماتها ومراياها بين لوركا وصور المودفار/ لا اعرف لماذا ذهبت 'انت' الى اسبانيا،رحلة حفر اركيولوجي او لمدرسة الاقتصاد؟ وبين هذه التساؤلات يبحث عنه او عنها بين الخراب الذي يشاهده في طريقه للابوك في تكساس، توقفه في هيوستون في 'هارد روك كافيه' تتداخل الاشياء العادية والاسماء لكي ترسم عالما من التموضع حول الذات احيانا والحنين الى مكان والتمسك بالشعلة 'احضن شعلتي' شعلة الذاكرة او الايام التي مضت. رغم نبرة الشك التي تبدو في بعض القصائد الا ان هناك موقفا يدعو للتصالح مع الذات واعادة الامور الى نصابها مقابلة الشر بالخير، محاولة النجاة وهذا واضح في قصيدة 'في حمد الحمد' 'احمد التسليم، النكران، فكرة ان هناك شيئا يستحق النجاة، وانه بامكاننا البحث عمن ينقذنا '.
تبدو نزعة التشتت والخوف، الغضب قي قصائد مطاوع نابعة من ذكرياته القلقة عن الاب والام، الام التي يجلس معها وكأنها لا تجلس معه، ربما كانت تفكر بوالده الذي قالت انه ظهر زاحفا وكأنه خارج من القبر. ولهذا ظل الشاعر يفكر بالأب وبالموت. ومن هنا تبدو لغة الشاعر المكثفة عن الحياة والقدر وكأنها تيار من الحلم يتوقف عند لحظة من الواقع ويستمر دائما وكان الشاعر يهيم في عالم من الحلم او في حالة بين الحلم واليقظة. إن كان الشاعر يراوح بين ذاكرة الام البعيدة والارض الجديدة الا انه يرفض ان يكون 'ما بين' يجسر بين ضفتي النهر، فقط يرجونا ويرجو قارئه بعد اعتذاره لنا عن الامال العالية ان يترك لوحده كي يبتعد عنا . تدعو القصائد القارئ للرحلة في هذا التيار الحلمي الذي يتجاوز الاشياء العادية والخروج في عتمة الليل مع اغنية نوم لبنت لم تولد حيث ترحل فوق قرى خلت من ساكنيها، طرق بلا نهاية، بحار فقدت بوصلتها وملاحيها، انهارخسرت اهوارها ومسافريها، بيوت خسرت نائميها وصرخاتها، اشجار خسرت اغانيها وظلالها... ريش ابيض قديم بلا طيور ولا اجنحة فقدت معانيها... كلمات تطحن في الشوارع مثل اليتامى، ثم يبدأ ناي بالآه وفجر يفقد معناه .
هذه اللغة التي تحمل ملامح من الرحيل الصوفي واحيانا تحمل ملامح من القسوة والدم والغيلان، لكنها تحاول الخروج عن العالم المألوف مع انها فيه ومنه هي لغة مناسبة لمن يفقد معنى الصلة بالمكان والراحل دائما كمسافر ورحالة ومن هنا تكثر الاحالات للماء والانهار والبحار والملاحين والطبيعة والفلاحة كأنها محاولة للعودة الى المدار الاول والنقطة الاولى التي بدأ منها الانسان. تحفل قصائد مطاوع بالاشارات والتناص من الحديث والقرآن والشعر الحديث والنسيب ومن اداورد سعيد ومن حكمة القدماء وهو في رسمه للزمن في قصائده يحيلنا الى موضوعات سياسية مثل حكاية سجن الحصان الاسود الذي دمر واقيم بدلا منه سجن بوسليم، وهي القصيدة التي تحمل عنوان ' ليلة العزف على القانون'. يقدم الشاعر في نهاية ديوانه بعض الايضاحات الرمزية والمفهومية لقصائده وهي اضاءات لفهم القارئ وفي ظننا ان يقرأ الديوان اولا بدون الرجوع اليها لأنها تعطي قراءة مختلفة عن القراءة التي تستند هنا الى مرجعية نصية . نكرر ان قراءة مطاوع لا تشير الى تنوع للمفردة ولكن كثافة المعنى والبحث عن المعنى الذي يتكرر في معظم قصائد الشاعر ففي تهويدة لطفل اجهض تقول ابنة الليل للطفل الذي لم تكتمل ولادته 'دع اليوم، اخيرا، يمنحنا معنى '.
خالد مطاوع: ولد في ليبيا وهاجر الى امريكا مبكرا في حداثته، اصدر مجموعتين شعريتين بالاضافة لهذه كانت الأولى منهما 'خسوف الاسماعيلية'. كما ترجم عددا من قصائد الشعراء العرب للانكليزية وحرر مجموعات شعرية للشعراء العرب الامريكيين. ويدرس في جامعة شيكاغو آن اربر .
AMORISCO
Khaled Maawa
Ausable Pre. 2008
مؤسسة جذور الثقافية

































