موسيقى الفادو البرتغالية
موسيقى الفادو البرتغالية :لوعة الفراق..الحنين للغائب..والشكوى الحزينة من هجر الحبيب
حسين التربي / يؤمن أغلب المستمعين للأغاني الليبية بأن اللحن الحزين والنواح والشكوى والآهات والكلمات الحزينة اللي تقطع القلب والجواجي هي الطابع الغالب على الموسيقى والأغاني الليبية..وهذا صحيح وواضح في الأغاني العربية كذلك. فلا تكاد تخلو أغنية عربية واحدة من " آآه" او من "يا ظالم" او "حاسيبك للزمن" و"الجرح" و "المواجع" و"الدموع" و"السهر" و"ضاعت حياتي" و "عليك خسارة" و..و.. لكن من يعتقد ان هذة الميزة الكئيبة تطغى على الأغنية العربية فقط فهو مخطئ. فمسحة الحزن والكآبة تسيطر على كلمات وألحان أغلبية الأغاني القبرصية والتركية واليونانية والاغاني الشعبية الاسبانية والبرتغالية..ومن هنا يتضح لنا هذا القاسم الانساني المشترك بين العرب وبقية شعوب دول البحر الأبيض المتوسط.
اليوم أحببت أن اقدم لمن يهتم بهذا الموضوع نبذة مبسطة عن موسيقى الفادو البرتغالية..بالرغم من أن البرتغال لا تملك شطا لها على البحر الابيض المتوسط، بل تتمتع بشط جميل على المحيط الأطلنطي. لقد استفادت اسبانيا من التراث الاندلسي وسيلاحظ المستمع لموسيقى الفلامنكو وهي موسيقى الغجر في اسبانيا، سيلاحظ تقارب اللحن وطريقة الغناء من الطريقة الشرقية وذلك بسبب التأثير العربي في هذا الفن. ومن التجربة الاسبانية استفادت الجارة البرتغال، وهذا هو السبب الاصلي في وجود تلك النغمة والطابع الشرقي نوعا ما في موسيقى الفادو. ولكن كيف نشأ هذا النوع من الموسيقى؟
ولد هذا النوع من الموسيقى في العاصمة البرتغالية لشبونة وبالتحديد في منطقة سكنية فقيرة وتتكون من 3 أحياء سكنية هي موريان والفمان وجي جراكان. لا أحد يستطيع الجزم بتاريخ محدد لميلاد موسيقى الفادو، ولكن الأغلبية من المهتمين بتاريخ الفادو يرون ان هذا النوع من الموسيقى والغناء قد بدأت حياته خلال سنوات القرن الثامن عشر. عاش الفاديستا (وهو مطرب الفادو كما يسميه البرتغاليين) في هذة المنطقة الفقيرة التي كانت اغلبية ساكنيها من ممتهني مهنة تزيين الاجساد البشرية بالوشم، ومنهم من يمتهن مهنة توفير متطلبات اقدم مهنة عرفها التاريخ وهي مهنة الدعارة..ومنهم من تخرّج لتوه من احد السجون المحلية، ولو أضفنا عنصر البطالة لحياة سكان تلك المنطقة ستكتمل الصورة البائسة للمحيط الذي ولد وترعرع به مخترعي الفادو. وبسبب البيئة الحزينة والكئيبة التي ولدت فيها موسيقى الفادو لا يجب ان نستغرب انعكاس هذا الحزن والواقع الفقير البائس على كلمات وألحان من حاولوا تجسيد معاناتهم في شكل اعمال فنية وغنائية بلهجة بشعبية برتغالية.
شهرة البرتغال كدولة وكشعب خاضت سفنه وبحارته امواج البحور والمحيطات ولمدد طويلة لا تخفى على أحد. وكنتيجة سلبية لترك الآف البحارة والتجار والباحثين والمغامرين والمهاجرين البرتغاليين لبيوتهم في البرتغال ليجوبوا اعالي البحار والمحيطات ولينتقلوا الى العالم الجديد في شمال وجنوب امريكا، تركوا ورائهم بيوتهم واهاليهم بما في ذلك نسائهم وحبيباتهم لسنوات طويلة. ومن هنا ولدت موسيقى الفادو هذا النمط البرتغالي الحزين من الغناء للوعة الفراق والحنين والاشتياق للأهل وللحبيب ولذكريات الطفولة..حتى وان كانت ذكريات وطفولة بائسة. يقول البرتغاليين عن مغني الفادو "الفاديستا" انه ينزف دماء قلبه عندما يغني واصفا اعتصار القلب في كآبة ملوعة والحزن الذي يأتي بعد فراق الاحبة.
بعد الانقلاب العسكري في 1926، صدر قانون يأمر بعدم السماح بغناء الكلمات الهابطة ودعا الانقلابيون الى "تنظيف" أغاني الفادو من الشوائب واشارات الاباحية والشهوات المجنونة حفاظا على الذوق العام. لكن تلك القيود لم تنجح في القضاء على شعبية هذا النوع من الغناء او الحد من سرعة انتشاره بين افراد المجتمع البرتغالي. واليوم تعتبر موسيقى الفادو من الميراث الشعبي لدى البرتغاليين الذين يعتزون كثيرا بعاداتهم وتقاليدهم وموروثهم الثقافي.
الكل يتفق على أن مدينة لشبونة بدون موسيقى الفادو هي كالجسد الميت..بدون روح!
للاستماع الى نموذج أغنية من موسيقى الفادو تفضل هنا:


















