اختراع الكتابة



عبد المنعم المحسن

كانت الكلمة بدايةَ الإنسان لأنه بالكلمة أصبح الإنسان إنساناً؛ فلولا هذه الأصوات الغريبة التي نسميها أسماء كلية لا نحصر الفكر في الأشياء الجزئية أو الخبرات الجزئية التي يذكرها الإنسان أو يدركها عن طريق الحواس، وخصوصاً حاسة النظر؛ وأغلب الظن أنه لولا هذه الأسماء الكلية لما استطاع الفكر أن يدرك الأنواع باعتبارها متميزة عن الأشياء الجزئية، ولا أن يدرك الصفات متميزة عن أشيائها التي تتصف بها، ولا أن يدرك الأشياء مجردة عن صفاتها؛ إنه لولا الكلمات التي هي أسماء لأنواع لاستطاع الإنسان أن يفكر في هذا الإنسان وهذا وذاك، ولكنه لم يكن ليستطيع أن يفكر في “الإنسان” بصفة عامة، لأن العين لا ترى الأنواع بل ترى الأشياء الجزئية؛ ولقد بدأت الإنسانية حين جلس مِسخّ نصفه حيوان ونصفه إنسان، جلس متربعاً في كهف أو شجرة، يشحذ رأسه شحذاً ليخلق أول اسم من الأسماء الكلية، أول رمز صوتي يدل على طائفة من أشياء متشابهة: كاسم منزل الذي ينطبق على المنازل كلها، وإنسان الذي يدل على أفراد الإنسان جميعاً، وضوء الذي معناه كل ضوء لمع على يابس أو ماء؛ ومنذ ذلك الحين، انفتح أمام التطور العقلي للإنسان طريق جديد ليست له نهاية يقف عندها ذلك لأن الكلمات للفكر بمثابة الآلات للعمل، والإنتاج يتوقف إلى حد كبير على تطور الآلات.

ولما كان تصويرنا لأوائل الأشياء لا يزيد أبداً عن حَدس وتخمين، فَلِخيالنا أن يرسل لنفسه العنان في تصور بداية الكلام؛ يجوز أن تكون أول صورة بدت فيها اللغة – ويمكن تعريف اللغة بأنها اتصال عن طريق الرموز – صيحة حبّ بين الحيوان والحيوان؛ وإنك لترى في صيحات النذير والفزع، وفي مناداة الأم لصغارها، وفي الزقزقة والنقنقة التي يعبر بها الحيوان عن فرحه بصوته أو باتصاله بعشيره من الجنس الآخر، واجتماعه أفراداً ليتبادل الأصوات من شجرة إلى شجرة، إنك لترى في هذا كله الخطوات التمهيدية التي يجهد الحيوان نفسه في اجتيازها لكي يصل الإنسان إلى الذروة العليا، ذروة الكلام؛ ولقد وُجِدَت فتاة حوشية تعيش مع الحيوان في غابة بالقرب من شالون في فرنسا، فلم يكن لها من الكلام إلا صرخات ودمدمات كريهة الوقع على المسامع؛ هذه الأصوات الحية التي تنبعث في الغابات قد لا تكون ذات معنى لآذننا التي تحضَرت، فنحن في هذا كالكلب المتفلسف “ريكيه” Requet الذي يقول عن “السيد برجريه” Bergeret “إن كل ما ينبعث به صوتي له معنى، أما سيدي فيجري من فمه هراء”؛ ولاحظَ “وِتمَن” Whitman و “كريج” Craig علاقة عجيبة بين أفعال الحمام وصيحاته؛ واستطاع “ديبون” Dupont أن يميز اثنى عشر صوتا مختلفا يستعملها الدجاج والحمام، وخمسة عشر صوتاً تستعملها الكلاب، واثنين وعشرين صوتاً تستعملها الماشية ذوات القرون، ووجد “جارنَر” Garner أن القردة تمضي في لغوها الذي لا ينتهي بعشرين صوتاً على الأقل، مضافاً إليها عدد كبير من الإشارات؛ ومن هذه اللغات المتواضعة نشأت، بعد تطور قصير المراحل، الثلاثمائة كلمة التي تكفي بعض القبائل البشرية المتواضعة.

ويظهر أن الإشارات كانت لها الأهمية الأولى، وللكلام المنزلة الثانية في تبادل الفكر في العصور الأولى؛ وإنك لتلاحظ أنه إذا ما أخفق الكلام في الأداء، وثبَت الإشارات من جديد إلى الطليعة؛ ففي القبائل الهندية في أمريكا الشمالية، التي تستعمل من اللهجات ما لا يقع تحت الحصر، يجيء العروسان من قبيلتين مختلفتين فيتبادلان الفكر ويتفاهمان بالإشارات أكثر من الكلام، ولقد عَرف “لويس مورجان” Lewis Morgan عروسين ظلا يستخدمان إشارات صامته مدى ثلاثة أعوام؛ وكان التفاهم بالإشارات من الأهمية في بعض اللغات الهندية بحيث تعذر على أفراد قبيلة “أراباهو” Arapaho – كما يتعذر على بعض الشعوب الحديثة – أن يتحدثوا في الظلام؛ وربما كانت أول الألفاظ الإنسانية صيحات تعبر عن العواطف كما هي الحال عند الحيوان، ثم جاءت ألفاظ الإشارة مصاحبة للإشارة بالجسم لتدل على الاتجاه، ثم تلَت ذلك أصوات مقلدة جاءت في أوانها المناسب لتعبر عن الأشياء والأفعال التي يمكن محاكاة أصواتها، ولا تزال كل لغة من لغات الأرض تحتوي على فئات من هذه الألفاظ التي تحاكي بأصواتها الأشياء والأفعال، على الرغم من آلاف السنين التي مضت مليئة، بالتغيرات والتطورات التي طرأت على اللغة – مثل: زئير، همس، تمتمة، قهقهة، أنين، زقزقة الخ وعند قبيلة “تكونا” Tecuna في البرازيل القديمة لفظ يقلد صوت المسمى تقليداً تاما يدلون به على الفعل “يعطس” وهو “هايتشو” وربما كانت هذه البدايات وأمثالها أساساً للكلمات الأولية في كل لغة من اللغات؛ وحصر “رينان” Renan الألفاظ العبرية في خمسمائة كلمة أصلية، وحصر “سكيت” Skeat كل الألفاظ الأوربية تقريباً في نحو أربعمائة كلمة أصلية.

ولا تحسبنَّ لغات الشعوب الفطرية بدائية بالضرورة، إذا أردنا بكلمة “بدائية” في هذا السياق أي معنى من معاني البساطة في التركيب، نعم إن كثيراً منها بسيط في ألفاظه وبنائه، لكن بعضها معقد البناء كثير الكلمات مثل لغاتنا، بل هو أرقى في التكوين من اللغة الصينية ومع ذلك فتكاد اللغات البدائية كلها أن تحصر نفسها في حدود الحسي والجزئي؛ وهي بصفة عامة فقيرة في الأسماء الكلية والمجردة؛ فسكان استراليا الأصليون يطلقون اسماً على ذيل الكلب واسماً آخر على ذيل البقرة، ولكن ليس في لغتهم كلمة تدل على “ذيل” بصفة عامة وأهل تسمانيا يطلقون على كل نوع من الشجر اسماً، لكن ليس لديهم كلمة واحدة تدل على “الشجرة” بصفة عامة، وكذلك هنود “تُشكتُو” Choetaw يطلقون اسماً على السنديانة السوداء، وآخر على السنديانة البيضاء، وثالثاً على السنديانة الحمراء؛ لكنهم لا يعرفون كلمة واحدة تدل على السنديانة بصفة عامة، ثم بالطبع ليس لديهم كلمة تدل على الشجرة عامة؛ ولا شك أن أجيالاً من الناس تعاقبت قبل أن يستطيع الإنسان أن ينتهي من اسم العَلم إلى الاسم الكلي؛ وفي قبائل كثيرة لا تجد ألفاظاً تدل على الألوان مجردة عن الأشياء الملونة، كلا ولا تجد عندها كلمات لتدل على مجردات مثل: نغمة، جنس، نوع، مكان، روح، غريرة، عقل، كمية، أمل، خوف، مادة، شعور…الخ، فمثل هذه الألفاظ المجردة تتكون وتتزايد – فيما يظهر – مع تقدم الفكر، لأن بينها وبين الفكر علاقة السبب والمسبب؛ وهي بعد تكوينها تصبح أدوات تعين على دقة التفكير، ورموزاً تدل على الحضارة.

ولما كانت الألفاظ تعود على الناس بكل هذه المزايا، فقد حسبوها نعمة إلهية وشيئاً مقدساً، بحيث أصبحت مادة تصاغ منها صبغ السحر، وهي تزداد في أعين الناس تقديساً كلما ازدادت فراغاً من المعنى؛ ولا تزال في يومنا مقدسة إذا استخدمناها في الأسرار الخفية، حين تتحول “الكلمة” إلى “لحم” – مثلا – إن الألفاظ لم تكن وسيلة التفكير الواضح فحسب، بل كانت سبيلاً لإصلاح التنظيم الاجتماعي كذلك، لأنها ربطت بين الأجيال المتعاقبة ربطاً عقلياً وثيق العرى، بأن هيأت لهم وسيلة أصلح للتربية من جهة، ولنقل المعارف والفنون من جهة أخرى؛ فبظهور ألفاظ اللغة ظهرت أداة جديدة تصل الأفراد بعضهم ببعض بحيث يمكن للمذهب الواحد أو العقيدة الواحدة أن تصُبَّ أفراد الشعب في قالب واحد متجانس؛ وفتحت طرقاً جديدة لنقل الآراء وتبادلها، وزادت عمق الحياة زيادة عظيمة، كما وسَّعَت نطاقها ومضمونها، فهل تعرف اختراعاً آخر يساوي في قوته ومجده هذا الاختراع، اختراع الاسم الكلي؟.

وأعظم هذه المزايا التي لألفاظ اللغة – بعد توسيعها للفكر – هي التربية؛ فالمدنية ثروة زاخرة تجمعت على الأيام من الفنون والحكمة وألوان السلوك والأخلاق، ومن هذه الثروة الزاخرة يستمد الفرد في تطوره غذاء لحياته العقلية، ولولا أن هذا التراث البشري يهبط إلى الأجيال جيلاً بعد جيل، لماتت المدنية موتاً مفاجئاً، فهي مَدِينة بحياتها إلى التربية.

التربية بدايات ضئيلة من الشعوب البدائية، إذ التربية عندهم – كما هي عند الحيوان – هي قبل كل شيء نقل لضروب المهارة تدريب الناشئ تدريباً يصوغ له شخصيته، فهي علاقة مفيدة سليمة بين العلم والتعلم في تلقين طرائق العيش؛ وهذا التعليم العملي المباشر شجع عند الطفل البدائي نمواً سريعاً؛ ففي قبائل “أوماها” يكون الولد وهو في سن العاشرة تقريباً قد تعلمَ معظم فنون أبيه، مستعداً للحياة؛ وفي قبائل “الألوت” Aleuts غالباً ما يؤسس الولد داراً لنفسه وهو في العاشرة، وأحياناً يختار زوجة وهو في هذه السن؛ وفي نيجيريا يترك الأطفال وهم في السادسة أو الثامنة دور آبائهم ليبنوا لأنفسهم أكواخاً ويزودوا أنفسهم بالقوت من الصيد والسماكة، والعادة أن ينتهي شوط التربية حين تبتدئ الحياة الجنسية، ولما كان نضجهم يأتي مبكراً فإن خمودهم يأتي كذلك مبكراً، ففي ظروف الحياة عندهم ينضج الصبي في الثانية عشرة من عمره ويشيخ في الخامسة والعشرين، وليس معنى ذلك أن “الهمجي” له عقلية الطفل، بل معناه أنه لم يكن له حاجات الطفل الحديث ولا فُرَصه؛ وهو لم يتمتع بمثل ما يتمتع به الناشئ الحديث من مراهقة طويلة آمنة، تسمح بنقل التراث الثقافي نقلاً يكاد يكون كاملاً، وتضمن تدريبه على ضروب أكثر ومرونة أكبر في الاستجابة للبيئة التي بعدت من الصورة الفطرية والتي زادت فيها عوامل التغير.

كانت بيئة الإنسان الفطري ثابتة نسبياً، ولم تكن تتطلب القدرة العقلية، بل تطلبت الشجاعة وتكامل الشخصية؛ فكان الوالد البدائي يركّز اهتمامه في بناء شخصية ولده كما تركّز التربية الحديثة اهتمامها في تدريب القوة العقلية؛ فقد كان يعنيه أن يبني رجالا، لا أن يكوّن العلماء؛ ومن هنا كانت طقوس إدماج الناشئ في القبيلة، تلك الطقوس التي كانت في الشعوب الفطرية تعلن بلوغ الناشئ سن النضج وتعترف له بعضوية الجماعة؛ ترمي إلى اختبار شجاعته أكثر مما تقصد إلى قياس معرفته؛ وكانت مهمتها أن تُعِدَّ الشباب لمشاق الحرب وتبعات الزواج؛ وهي في الوقت نفسه فرصة تتاح للكبار أن يمرحوا ويفرحوا بإيقاع الأذى على الآخرين؛ وبعض هذه الطقوس “يبلغ من البشاعة ومن إثارة النفس حداً تتعذر معه الرؤية وتصعب الرواية”؛ ففي قبيلة “الكفير” – وهذا مثل معتدل – كان الصبيان الذين يطلبون عضوية القبيلة يُمتحنون بعمل شاق في النهار وحرمان من النوم في الليل، حتى يسقطوا من الإعياء؛ لكي يزداد القائمون بامتحانهم يقيناً بصلابة هؤلاء الصبيان، كانوا يضربونهم بالسّياط “على فترات قصيرة وبغير رحمة حتى يَنزَّ الدم من أجسادهم” وكان ذلك يؤدي إلى قتل نسبة كبيرة من الغلمان؛ لكن الكبار – فيما نظن – كانوا ينظرون إلى الأمر نظرة الفيلسوف؛ وربما كانوا بفعلهم هذا يسبقون الانتخاب الطبيعي ويضيفون إلى عوامله عاملاً جديداً؛ وكانت هذه الطقوس الممتحنة عادة علامة انتهاء المراهقة والاستعداد للزواج؛ وكانت العروس تلح في أن يثبت عريسها قدرته على تحمل الألم؛ وكانت هذه الطقوس عند كثير من القبائل تدور حول عملية الختان، فإذا تحرك الشاب أثناء إجرائها أو صرخ، ضربه أهله ضرباً، ورفضته عروسه المنتظرة – التي وقفَت لتشهد العملية في عناية وانتباه – على أساس أنها لا تريد أن تتزوج من فتاة.

لم تكن التربية البدائية تنتفع بالكتابة إلا قليلاً، أو لم تكن تنتفع بها إطلاقاً، فليس يدهَشُ الإنسانُ الفطري لشيء دهشته لاستطاعة الأوربيين أن يتصل أحدهم بالآخر – وبينهما مسافة بعيدة – بواسطة خطوط سوداء تُخَطُّ على قطعة من الورق؛ وقد تعلمت قبائل كثيرة الكتابة بمحاكاتها لمن جاءوا لاستغلالها من المتحضّرين، لكن بعض القبائل – كما هو الحال في شمالي إفريقية – لبث أمياً على الرغم من خمسة آلاف عام أخذت هذه القبائل تتصل خلالها بالأمم الكاتبة اتصالا متقطعاً؛ أما القبائل الساذجة التي تعيش معظم حياتها عيشاً معتزلاً بالنسبة إلى سواها، وتنعم بالسعادة التي تنجم عن جهل الإنسان بتاريخه الماضي، فلا تحسّ بالحاجة إلى الكتابة إلا قليلاً، ولقد قويت ذاكراتهم بسبب انعدام المخطوطات التي تساعدهم على حفظ ما يريدون الاحتفاظ به، فتراهم يحتفظون. ويَعُون؛ ثم ينقلون ما حفظوه وما وَعَوه إلى أبنائهم بتسميعهم إياه؛ وإنما هم يحفظون ويعون ويُسَمعون كل ما يرونه هاماً في الاحتفاظ بحوادث تاريخهم وفي نقل تراثهم الثقافي؛ ويجوز أن يكون الأدب قد بدأ حين بدأ تدوين هذا المحفوظ وتدوين الأغاني الشعبية؛ ولا شك أن اختراع الكتابة قد صادف معارضة طويلة من قبل رجال الدين، على اعتبار أنها في الأرجح ستؤدي إلى هدم الأخلاق وتدهور الإنسان، فتروي أسطورة مصرية إنه لما كشف الإله تحوت للملك تحاموس عن فن الكتابة، أبى الملك الطيب أن يتلقى هذا الفن لأنه يهدم المدنية هدماً؛ وقال في ذلك: “إن الأطفال والشبان الذين كانوا حتى الآن يُرغَمون على بذل جهدهم كله في حفظ ما يتعلمونه ووعيه، لن يبذلوا مثل هذا الجهد “إذا ما دخلت الكتابة” ولن يروا أنفسهم في حاجة إلى تدريب ذاكراتهم”.

وبطبيعة الحال ليس في وسعنا أكثر من التخمين إذا أردنا أن نقول شيئاً عن أصل هذه اللعبة العجيبة؛ فيجوز إنها كانت نتيجة تفرعت عَرَضاً عن صناعة الخزف كما سنرى فيما بعد، وذلك بأن نشأت عن رغبة الناس في إثبات “العلامات التجارية” على ما يصنعونه من آنية خزفية؛ ويجوز أن تكون زيادة التجارة بين القبائل قد اقتضت اصطناع مجموعة من العلامات المكتوبة، وأن تكون أولى صورها تصاوير غليظة أتفق عليها الناس لتدل على السلع التي يتبادلونها في تجارتهم وعلى ما يقوم بينهم من حساب؛ لأنه ما دامت التجارة قد وصلت قبائل يتكلمون لغات مختلفة، بعضها ببعض، فلا بد من اتخاذ وسيلة للتدوين وللتفاهم يفهمها الطرفان المتعاملان معاً؛ وفي وسعنا أن نفترض أن قد كانت الأرقام بين أول طائفة من الرموز المكتوبة، وإنها في معظم الحالات كانت تتخذ صورة خطوط متوازية تمثل الأصابع؛ ولا نزال نستعمل كلمة “أرقام” (في اللغة الإنجليزية) التي تدل على ذلك الأصل المخطوط، حين نريد أن نقول “أعداد” ؛ ثم لا تزال كلمات مثل كلمة “خمسة” في اللغات الإنجليزية والألمانية واليونانية، ترتدُّ إلى أصل لغوي معناه “يد”؛ وكذلك الأرقام الرومانية تشير بصورتها إلى أصابع اليد، فالعلامة التي معناها خمسة “ V ” تصــــــــور يـــــداً مفتوحـــة، والتي معناها عشرة “ X ” تتركب من علامتين من علامات الخمسة تقابلتا عند زاويتيهما؛ وكانت الكتابة في بدايتها – كما لا تزال عند أهل الصين واليابان – ضرباً من الرَّسم أي كانت ضرباً من الفن؛ فكما أن الإنسان كان يستخدم الإشارات حين كانت تتعذر عليه الكلمات، فكذلك استخدم الصور لينقل أفكاره عَبر المكان وخلال الزمان؛ فكل كلمة وكل حرف مما نستعمله اليوم كان فيما سبق صورة، كما هي الحال الآن في العلامات التجارية وفي التعبير عن أبراج السماء؛ والصور الصينية البدائية التي سبقت الكتابة كانت تسمى “كوروان” ومعناه الحرفيّ “صور للإشارات”؛ وكانت القوائم الطوطمية كتابة تصويرية، أو كانت – كما يقترح “ماسون” Mason رسماً تدونه القبائل لتعبر به عن نفسها؛ فبعض القبائل كان يستعمل عصيًّا محزوزة لتذكّرهم بشيء أو ليبعثوا بها رسالة؛ وبعضها الآخر – مثل “هنود الجُنكِوِن” Algonquin لم يكتف بحزّ العصيّ، بل رسم عليها أشكالاً تجعلها صوراً مصغرة للقوائم الطوطمية؛ أو ربما العكس هو الصحيح، أي أن هذه القوائم الطبيعية كانت صورة مكبرة للعصيّ المحزوزة، وكان هنود بيرو يحتفظون بمدوّنات طويلة من الأعداد ومن الأفكار، بأن يعقدوا حبالاً مختلفة الألوان بالعُقَد والعُرَى؛ وربما ألقى شيء من الضوء على أصل هنود أمريكا الجنوبية إذا عرفنا أن هذه العادة نفسها سادت بين سكان الأرخبيل الشرقي وأهل بولينزيا.

ولما أهاب “لاَوتسي” Lao-Tse بقومه الصينيين أن يعودوا إلى الحياة الساذجة، اقترحَ عليهم أن يرتدُّوا إلى ما كانوا يصنعونه من حِبال معقودة وتظهر صور من الكتابة أرقى مما ذكرنا بين الشعوب الفطرية آنا بعد آن، فلقد وجدنا رموزاً هيروغليفية في جزيرة “إيستر” في البحار الجنوبية؛ وكشفنا الغطاء في إحدى جزر “كارولينا” عن مخطوط يتكون من واحد وخمسين رمزاً مقطعياً تصور أعداداً وأفكاراً، وأن الرواية لتروي كيف حاول رؤساء جزيرة إيستر وكهنتها أن يحتفظوا لأنفسهم بكل معرفة تتصل بالكتابة، : وكيف كان الناس يحتشدون مرة في كل عام ليسمعوا المدوّنات وهي تُقرأ عليهم؛ فبديهي أن الكتابة كانت في مراحلها الأولى شيئاً غامضاً مقدساً، ولفظة “هيروغليف” معناها نقش مقدس، ولسنا على يقين من أن هذه المخطوطات البولينيزية لم يكن مصدرها إحدى المدنيَّات التاريخية؛ لأن الكتابة – على وجه العموم – علامة تدل على الحضارة، وهي من أوثق المميزات التي تفرق بين أهل المدنيَّة وأبناء العصور البدائية.

الأدب في أول مراحله كلمات تقال أكثر منه حروفاً تكتب “على الرغم من أن الكلمة في الإنجليزية تنتمي في أصلها اللغوي إلى ما يدل على الكتابة”؛ وهو ينشأ في ترانيم دينية وطلاسم سحرية، يتغنى بها الكهنة عادةً، وتنتقل بالرواية من ذاكرة إلى ذاكرة؛ والكلمة التي معناها الشعر عند الرومان، وهي “ Carmina ” تدل على الشعر وعلى السحر في آن واحد؛ والكلمة التي معناها نشيد عند اليونان، وهي “ Ode ” معناها في الأصل طلسم سحريّ، وكذلك قل في الكلمتين الإنجليزيتين “ Tune ” و “ Lay ” والكلمة الألمانية “ Lied ” وأنغام الشعر وأوزانه، التي ربما أَوحَى بها ما في الطبيعة وحياة الجسد من اتساق، قد تطورت تطوراً ظاهراً على أيدي السحرة الذين أرادوا أن يحتفظوا وينقلوا ثم يزيدوا من “التأثير السحريّ لأشعارهم” ويعزو اليونان أول ما قيل من شعر في البحر العُشاري إلى كهنة دلفي، الذين ابتكروا هذا البحر ليستخدموه في نظم نبوءاتهم، وبعدئذ أخذ الشاعر والخطيب والمؤرخ يتميز بعضهم من بعض شيئاً فشيئاً، ويتجهون اتجاهاً دنيوياً في فنونهم، بعد أن اتحدوا جميعاً في هذا الأصل الكهنوتي، فأصبح الخطيب مُشيدا رسمياً بأعمال الملك أو مدافعاً عن الآلهة، وبات المؤرخ مسجلاً لأعمال الملك، والشاعر مغنياً لأناشيد كانت في الأصل مقدسة، ومعبراً و حافظاً لأساطير البطولة، وموسيقيَّا صاغ أقاصيصه صياغة الألحان ليعلّم بها الشعب وملوكه جميعاً؛ وهكذا كان لأهل فيجي وتاهيتي وكالدونيا الجديدة خطباء ومؤرخون رسميون، عليهم أن يخطبوا الناس في المحافل العامة، وأن يثيروا حماسة المقاتلين في القبيلة بذكر أعمال أجدادهم والإشادة بمجد أمتهم التليد الذي لا تضارعها فيه أمة أخرى؛ وكان للصومال شعراء محترفون يطوفون من قرية إلى قرية ينشدون الأناشيد مثل الشعراء المنشدين والشعراء الطوافين الذين عرفتهم العصور الوسطى، ولم تكن أشعارهم التي يتغنون بها عن الحب إلا في حالات نادرة، وأما في أكثر الحالات فقد كانت تقال عن البطولة البدنية أو حومة القتال أو علاقة الآباء بأبنائهم، وهاك مثلاً من الشعر مأخوذاً عن أحد الآثار القديمة في جزيرة إيستَر، وهو رثاء والد لابنته أبعدتها تصاريف الحروب عنه:

إن ركوب ابنتي لمتون البحار

لم تُفسده عليها قط قبائل الأعداء

إن ركوب ابنتي لمتون البحار

لم يفسده عليها التآمر من أهل هونيتي

فما فتئت ظافرة في كل حروبها

هل أغرَوها بشرب الماء المسموم

من الزجاجة الحجرية السوداء؟ هذا مستحيل

هل يمكن لأحزاني أن يقلّ سعيرها

بينما يفصلني عن ابنتي خضمُّ البحار؟

أواه يا ابنتي، أواه يا ابنتي!

إنه لطريق مائي فسيح

ذلك الذي أمدّ بصري خلاله تجاه الأفق

يا ابنتي، أواه يا ابنتي!

* * *

لكن أوسع خطوة خطاها الإنسان في انتقاله إلى المدنية هي الكتابة؛ ففي قطع من الخزف هبطت إلينا من العصر الحجري الثاني، خطوط مرسومة بالألوان فَسرَّها كثير من الباحثين على أنها رموز؛ وقد يكون هذا موضعاً للشك، لكنه من الجائز أن تكون الكتابة- بمعناها الواسع الذي يدل على رموز من رسوم تعبّر عن أفكار- قد بدأت بعلاماتٍ مطبوعة بالأظفار أو بالمسامير على الطين وهو ليّن؛ بغية زخرفته أو تمييزه بعد أن تتم صناعته خزفاً؛ ففي أقدم كتابة هيروغليفية في “سومر” توحي صورة الطائر بأوجُه شبه بينها وبين الزخارف الطائرية الموجودة على أقدم الآثار الخزفية عند “سوزا” في “عيلام” كذلك أقدم صورة للغلال مما استُخدم في الكتابة التصويرية؛ نُقلَت رأساً من الزخارف الغلالية الهندسية الأشكال في “سوزا” و”سومر”؛ والأحرف المستقيمة الخطوط التي ظهرت بادئ الأمر في “سومر” حول سنة 3600 ق.م إن هي- فيما يظهر- إلا صورة مختصرة من الرموز والرسوم المصورة أو المطبوعة على الخزف البدائي في الجزء الأدنى من بلاد ما بين النهرين أو في “عيلام”؛ وإذن فالكتابة- شأنها شأن التصوير والنحت- قد تكون في نشأتها فناً خزفياً إذ بدأت ضرباً من ضروب النقش والرسم؛ وبذلك تكون الطينة نفسها التي استحالت في يد الخزّاف آنية، وفي يد النحات تماثيل، وفي يد البناء آجُرًّا، قد هيأت للكاتب مادته التي يخط عليها كتابته؛ وطريق التطور من هذه البداية إلى الكتابة المسمارية في بلاد ما بين النهرين، منطقي المراحل مفهوم التدرّج.

وأقدم الرموز التصويرية المعروفة لدينا هي تلك التي وجدها “فِلِندَرز بتِرى” Flinders Petrie على قطع الفخار وآنيته وعلى قطع من الحجر، مما كَشَفَ عنه في مقابر ما قبل التاريخ، في مصر وإسبانيا والشرق الأدنى، ولقد حَدَّدَ عمرها بسخائه المعهود في تقدير الأعمار، بسبعة آلاف عام؛ وهذه الرموز الكتابية التي وجدت في حوض البحر الأبيض المتوسط، تبلغ ما يقرب من ثلاثمائة رمز، معظمها متشابه في جميع الأرجاء، مما يدل على علاقات تجارية قامت بين طرفي البحر الأبيض المتوسط في عهد يرجع في التاريخ إلى سنة 5000 ق.م؛ ولم تكن هذه الرموز صوراً، بل كان معظمها علامات تجارية- علامات تدل على الملِكية والكمية أو غير ذلك من معلومات يقتضيها التبادل التجاري؛ فلئن كان هذا الأصل المتواضع مما يؤذي الطبقة الوسطى من الأغنياء، فإن لهم ما يعزيهم في أن الأدب قد اشتقَّ أصوله من “فواتير” الحساب ومن شحنات المراكب؛ ولم تكن العلامات حروفاً، لأن العلامة الواحدة كانت كلمة كاملة أو فكرة بأسرها، ومع ذلك فمعظمها كان شديد الشبه بأحرف الهجاء الفينيقية؛ ويستنتج “بترى” من ذلك أن “مجموعة كبيرة من الرموز قد استخدمت شيئاً فشيئاً في العصور الأولى لأغراض شتى، فقد تبودلت مع التجارة، وانتشرت من قطر إلى قطر … حتى كتب النصر لنحو ستة رموز، فأصبحت مِلكا مشاعاً لطائفة من هيئات التجارة، بينما أخذت سائر الأشكال التي اقتصر استعمالها على قطر واحد دون بقية الأقطار، تموت في عزلتها شيئاً فشيئاً” والنظرية القائلة بأن هذه العلامات الرمزية هي أصل الأحرف الهجائية، جديرة بالاهتمام، وهي نظرية امتاز الأستاذ “بتري” بأنه يعتنقها دون سائر العلماء.

ومهما يكن من أمر تطور هذه الرموزية التجارية الأولى، فلقد سايرها جنبا إلى جنب ضرب من الكتابة كان فرعاً من الرسم والتصوير، وكان يعبر بالصور عن فكر متصل؛ ولا تزال صخور بالقرب من البحيرة العليا “بحيرة سوبيرير” تحل آثارا من الصور الغليظة التي استخدمها هنود أمريكا في روايتهم لقصة عبورهم هذه البحيرة الجبارة رووها للخلف، أو ربما رووها لزملائهم، روايةً يعبرون فيها عن زهوهم بما صنعوا؛ كذلك يظهر أن تطوراً كهذا نَقَلَ الرسم إلى كتابة في أرجاء حوض البحر الأبيض المتوسط عند نهاية العصر الحجري الحديث؛ ويقيناً أنه ما جاءت سنة 3600 ق.م- وقد يكون قبل ذلك التاريخ بزمن طويل- حتى كانت “عيلام” و”سومر” ومصر قد طوَّرت مجموعة من الصور التي يعبرون بها عن أفكارهم، وأطلقوا عليها اسم “الكتابة الهيروغليفية” لأن معظم من قام بها كان من الكهنة وظهرت مجموعة أخرى من هذه الصور شبيهة بتلك، في كريت حول سنة 2500 ق.م؛ وسنرى فيما بعد كيف استحالت هذه الكتابة الهيروغليفية التي تمثل كلُّ صورة منها فكرة، كيف استحالت بخطأ الاستعمال، ثم بما تناولها من تنسيق وتنظيم عرفي، إلى مقاطع. أعني إلى مجموعة من الرموز يدل كل منها على مقطع؛ ثم كيف استخدمت العلامات آخر الأمر لا لتدل على المقطع كله، بل على أول ما فيه من أصوات. وبهذا أصبحت حروفاً؛ وربما كان تاريخ هذه الكتابة الهيروغليفية يرتد في التاريخ إلى سنة 3000 ق.م في مصر، وأما في كريت فقد ظهرت حول سنة 1600 ق.م؛ إن الفينيقيين لم يخلقوا أحرف الهجاء، ولكنهم اتخذوا منها سلعة للبيع والشراء؛ فقد أخذوها- فيما نظن- من مصر وكريت وأدخلوها جزءاً جزءاً في “صور” و “صيدا” و “بيبلوس” Byblos ، ثم أصدروها إلى كل مدينة من مدن البحر الأبيض المتوسط؛ وهكذا كانوا سماسرة لأحرف الهجاء يأخذونها من أصحابها ليذيعوها، ولم يكونوا مبدعيها حتى إذا ما كان عصر هومر، كان اليونان يأخذون هذه الأحرف الفينيقية- أو قُل الأحرف التي اتحد في خلقها الآراميون جميعاً- وكانوا يطلقون عليها الاسمين الساميَّين الحرفين الأولَّين “وهما: ألفا، بيتا؛ وبالعبرية ألفِ، بيت.

فالظاهر أن الكتابة من نتائج التجارة، وهي إحدى وسائل التجارة المسهلة لأمورها، فها هنا أيضا ترى الثقافة كم هي مدينةّ للتجارة؛ ذلك أنه لما اطنع الكهنة لأنفسهم مجموعة من رسوم يكتبون بها عباراتهم السحرية والطقوسية والطبيّة، اتحدت الطائفتان: الدنيوية والدينية، وهما طائفتان متنازعتان عادة، اتحدتا مؤقتاً لتتعاونا على إخراج أعظم ما أخرجته الإنسانية من مخترعاتها منذ عرف الإنسان الكلام؛ نستطيع أن نقول إن تطور الكتابة هو الذي كان يخلق الحضارة خلقاً، لأن الكتابة هيأت وسيلة تسجيل المعرفة ونقلها كما كانت وسيلة ازدهار العلم وازدهار الأدب، وانتشار السلام والنظام بين القبائل المتنافرة، لكنها متصلة على تنافرها، لأن استخدام لغة واحدة أخضعتها جميعاً لدولة واحدة؛ إن بداية ظهور الكتابة هي الحدُّ الذي يُعَيّن بداية التاريخ، تلك البداية التي يتراجع عهدها كلما اتسعت معارف الإنسان بآثار الأولين.

* * *

الكتابة أروع ما خلفه السومريون، ويبدو هذا الفن عندهم فناً عظيم الرقي صالحاً للتعبير عن الأفكار المعقدة في التجارة والشعر والدين. والنقوش الحجرية أقدم ما عثر عليه من النقوش، ويرجع عهدها إلى عام 3600 ق. م.؛ وتبدأ الألواح الطينية في الظهور حوالي 3200 ق. م. ويلوح أن السومريين قد بدءوا من ذلك الوقت يجدون في هذا الكشف العظيم ما ترتاح له نفوسهم وما يفي بأغراضهم. ولقد كان من حسن حظنا أن سكان ما بين النهرين لم يكتبوا بالمداد السريع الزوال على الورق السريع العطب القصير الأجل، بل كتبوا على الطين الطري ونقشوا عليه ما يريدون نقشه بسن آلة حادة كالإسفين. وكانوا في ذلك جد مهرة، فاستطاع كتابهم بفضل هذه المادة اللينة أن يحتفظوا بالسجلات، ويدونوا العقود والمشارطات، ويكتبوا الوثائق الرسمية، ويسجلوا الممتلكات والأحكام القضائية والبيوع، ويخلقوا من هذه كلها حضارة لم يكن القلم فيها أقل قوة من السيف. وكان الكاتب إذا أتم ما يريد كتابته جفف اللوح الطيني في النار أو عرضه لحرارة الشمس، فجعله بذلك مخطوطا أبقى على الدهر من الورق، ولا يفوقه في طول العمر إلا الحجر وحده. وكانت نشأة هذه الكتابة المسمارية وتطورها أعظم ما للسومريين من فضل على الحضارة العالمية.

وتُقرأ الكتابة السومرية من اليمين إلى اليسار ؛ والبابليون على ما نعلم هم أول من كتب من اليسار إلى اليمين. ولعل الكتابة في سطور كانت نوعاً من العلامات والصور التي جرى بها العرف والتي كانت تصور أو تنقش على الأواني الخزفية السومرية البدائية . وأكبر الظن أن الصور الأصلية قد صغَّرت وبسطت في خلال القرون الطويلة وبسبب الرغبة في سرعة كتابتها، حتى أضحت شيئاً فشيئاً علامات تختلف في شكلها اختلافاً تاما عن الأشياء التي كانت تمثلها، فصارت بهذا رموزاً للأصوات لا صوراً للأشياء. ولنضرب لهذا مثلاً من اللغة العربية يوضح هذه الطريقة وهو صورة العين. فإذا افترضنا أن صورة العين قد صغرت وبسطت وصورت حتى لم يعد معناها العين نفسها بل كان هو الصوت الخاص الذي تمثله مع حركتها “وهو الفتحة في هذه الحالة” والذي ينطق به مع حروف أخرى في كلمات مختلفة كالعَسَل مثلاً، كان هذا شبيهاً بما حدث في اللغة السومرية . ولم يخط السومريون الخطوة التالية في هذا التطور فيجعلوا الرسم ممثلاً للحرف وحده دون الحركة عنه حتى يمكن استخدام العلامة الدالة على العين في ألفاظ مثل عنب وعُرقوب ومعمل تختلف حركة العين فيها عن الفتحة. وظلت هذه الخطوة التي أحدثت انقلاباً عظيماً في طرق الكتابة حتى خطاها قدماء المصريين.

ويغلب على الظن أن الانتقال من الكتابة إلى الأدب تطلب عدة مئات من السنين. فقد ظلت الكتابة قروناً عدة أداة تستخدم في الأعمال التجارية لكتابة العقود والصكوك، وقوائم البضائع التي تنقلها السفن، والإيصالات ونحوها ؛ ولعلها كانت بالإضافة إلى هذا أداة لتسجيل الشؤون الدينية، ومحاولة للاحتفاظ بالطلاسم السحرية، والإجراءات المتبعة في الاحتفالات والمراسم، وبالأقاصيص المقدسة، والصلوات والتراتيل، حتى لا تبيد أو يدخل عليها المسخ والتغيير. ومع هذا فلم يحل عام 2700 ق. م. حتى كان عدد كبير من دور الكتب العظيمة قد أنشئ في المدن السومرية. فقد كشف ده سرزاك في مدينة تلو مثلاً، وفي أنقاض عمائر معاصرة لعهد جوديا، مجموعة مؤلفة من ثلاثين ألف لوح موضوعة بعضها فوق بعض في نظام أنيق منطقي دقيق. وبدأ المؤرخون السومريون من عام 2000 ق. م. يكتبون ماضيهم ويسجلون حاضرهم ليخلفوه لمن يجئ بعدهم. ووصلت إلينا أجزاء من هذه السجلات ولكنها لم تصل إلينا في صورتها الأصلية بل جاءتنا مقتبسة في تواريخ المؤرخين البابليين. على أن من بين ما بقى من هذه الكتب في صورته الأصلية لوحاً عثر عليه في نبور كتب عليه الأصل السومري البدائي لملحمة جلجميش التي سندرسها فيما بعد في الصورة التي تطورت إليها عند البابليين. وتحتوي بعض الألواح المحطمة على مراثٍ ذات قوة لا بأس بها في أسلوب أدبي خليق بالتقدير. وفي هذه الألواح تبدأ خاصة التكرار اللفظي الذي تمتاز به أغاني الشرق الأدنى، فترى ألفاظاً بعينها تتكرر في بداية السطور، كما ترى كثيراً من الجمل تكرر المعنى الذي ذكر في جمل سابقة أو توضحه. وفي هذه الأثناء التي نجت من عوادى الأيام ترى النشأة الدينية للأدب في الأغاني والمراثي التي يرددها الكهنة. فلم تكن القصائد الأولى إذن أراجيز أو أناشيد غزلية بل كانت صلوات وأدعية دينية.

وما من شك في أن قروناً طويلة من النماء والتطور في سومر وفي غيرها من البلاد قد سبقت هذه البدايات الثقافية الظاهرة؛ فهذه الثقافات لم يبتدعها السومريون في هذه الحقبة بل نمت عندهم وتطورت. وكما يبدو في الكتابة أن السومريين قد ابتدعوا الخط المسماري، كذلك يبدو في العمارة أنهم ابتدعوا الأشكال الأساسية للمنازل والهياكل والأعمدة والقباب والعقود.

ويخيل إلينا أن الفلاح السومري كان أول الأمر ينشئ كوخه بأن يغرس الأعواد على هيئة مربع أو مستطيل أو دائرة، ويثني أعلاها حتى يجتمع، ثم يربطها حتى يتكون منها قوس أو عقدة أو قبة. فكان ذلك هو البداية البسيطة أو المظهر الأول المعروف لهذه الأشكال الهندسية المعمارية. وقد عثر المنقبون في خرائب نبور على مجرى مائي معقود أنشئ منذ خمسة آلاف من السنين، وعثر في مقابر أور الملكية على عقود يرجع تاريخها إلى عام 3500 ق. م. وكانت المداخل المعقودة مألوفة في أور منذ عام 2000 ق. م. وكانت عقودها عقوداً حقه أي أن أحجارها كانت صِنجِية الرص- كل حجر منها على هيئة إسفين يتجه طرفه الرفيع إلى أسفل محكم الوضع في مكانه.

أما الأغنياء من أهل المدن فكانوا يشيدون قصوراً يقيمونها على ربُى تعلو عن أرض السهل بنحو أربعين قدماً في بعض الأحيان، وكانوا يجعلونها منيعة لا يمكن الوصول إليها إلا من طريق واحد، وبذلك يستطيع كل عظيم سومري أن يتخذ قصره حصناً له. وإذ كانت الحجارة نادرة الوجود في تلك البلاد فقد كان أغلب هذه القصور يُبنى من الآجر، وكانت الجدران الحمراء تغطى بحليات من الآجر نفسه ذات أشكال مختلفة- منها لوالب، ومقرنصات ومثلثات، ومنها معينات أو مشجرات. وكانت الجدران الداخلية تغطى بالجص وتنقش نقشاً بسيطاً. وكانت الحجرات والمرافق تقام حول فناء يقي البيت وهج شمس البحر الأبيض وحرّها. ولهذا السبب عينه مضافاً إليه رغبة القوم في الأمن من الأعداء كانت الحجرات تطل على هذا الفناء الداخلي بدل أن تطل على العالم الخارجي. أما النوافذ فكانت من الكماليات أو لعلهم كانوا في غير حاجة إليها. وكانت المياه تؤخذ من الآبار، وكان ثمة نظام واسع للمجاري وتصريف الفضلات من الأحياء المأهولة في المدن. وكان أثاث البيوت قليلاً بسيطاً. ولكنه لم يكن يخلو من طابع الفن والذوق، وكانت بعض الأسِرَّة تطعم بالمعادن أو بالعاج، وكانت لبعض الكراسي السائدة أحياناً أرجل تنتهي بما يشبه مخالب السباع على النحو الذي نشاهده في كراسي المصريين الأقدمين.

أما الهياكل فكانت تستورد لها الحجارة من الأقطار النائية وكانت تزين بأعمدة وأفاريز من النحاس مطعمة بمواد شبيهة بالحجارة الكريمة. وكان هيكل ناتاو في أور طرازاً تحتذيه سائر هياكل أرض الجزيرة فكانت جدرانه مغطاة من الخارج بالقرميد الأزرق الشاحب، أما من الداخل فكانت تكسوه ألواح من الأخشاب النادرة، كخشب الأرز والسرو تطعم بالرخام والمرمر والعقيق الظفري واليماني والذهب. وكان أعظم هيكل في المدينة يقام عادةً فوق ربوة يعلوه برج من ثلاث طبقات أو أربع أو سبع في بعض الأحيان، يحيط به سلم لولبي ذو بسطة عن كل مقلب. وكانت هذه الأبراج أعلى صروح في المدائن السومرية، ومساكن أعظم آلهتها، كان في وسع الحكومة أن تجد فيها آخر حصن روحي وطبيعي يعصمها من الثوار أو الغزاة .

وكانت الهياكل تزينها أحيانا تماثيل للآلهة وللحيوان وللأبطال من بني الإنسان. وكانت هذه التماثيل ساذجة وغير جميلة في صناعتها، تمثل القوة والعظمة ولكن ينقصها الصقل والأناقة والدقة الفنية. ومعظم ما بقي منها يمثل الملك جوديا. وهي منحوتة من الحجر الديوريت الصلب نحتاً واضح المعارف ولكنه مع ذلك فج ساذج. وقد عثر في خرائب تنتمي إلى العهد السومري الأول على تمثال صغير من النحاس على شكل ثور عدى عليه الدهر ولكنه لا يزال يفيض حيوية وهمة ثورية. وفي مدينة أور عثر المنقبون على رأس بقرة مصنوع من الفضة في قبر الملكة شب- آد وهو آية فنية تشهد بما وصل إليه الفن من رقي عظيم، وإن كان الدهر قد عدا عليها حتى لم يعد في وسعنا أن نقدرها التقدير الذي هي خليقة به. وأن هذا الحكم ليؤيده ما بقي من النقوش المحفورة تأييداً لا يكاد يترك مجالاً للشد فيه كذلك تظهر خشونة الفن السومري في “لوحة الصقور” التي أقامها إينا- نوم ملك لكش، واسطوانة إبنشـــــــار المصنوعة من الرخام السماقي والصور الهزلية “وهي بلا شك هزلية” التي تمثل أور- نينا، وبخاصة في “لوحة النصر” التي أقامها نارام- سِنْ، ولكنها مع ذلك تنم عن حيوية قوية في الرسم والنحت لا تكاد تترك مجالاً للشك في وجود فن ناشئ سائر في طريق الازدهار.

أما صناعة الخزف فليس في وسعنا أن نحكم عليها هذا الحكم السهل الذي أصدرناه على صناعة النحت ولعل عوادى الزمن من أسباب الخطأ في هذا الحكم، فقد لا يكون ما بقي لنا من آثار هذه الصناعة إلى أقلها شأنا. ولعل هؤلاء الناس كانت لديهم قطع منه لا تقل في إتقانها عن الأواني المنحوتة من المرمر التي عثر عليها في أريدو، ولكن معظم الخزف السومري- وإن كانت عجلة الفخراني قد استخدمت فيه- لا يعدو أن يكون آنية ساذجة من الفخار لا تسمو إلى مستوى مزهريات عيلام. وأما صناعة الذهب فقد بلغت مستوى رفيعا كما يدل على ذلك ما وجد في أقدم مقابر أور التي يرجع تاريخ معظمها إلى عام 4000 ق.م من أوانٍ من الذهب تنم عن ذوق راقٍ ومصقولة أجمل صقل. وفي متحف اللوفر مزهرية من الفضة ضخمة كجسم جوديا ولكنها مزينة بطائفة كبيرة من صور الحيوانات المنحوتة نحتاً جميلاً. وأجمل ما وجد من هذه القطع الفنية غمد من الذهب وخنجر مطعم باللازورد قد عثر عليها المنقبون في أور. وإذا كان لنا أن نحكم على هذه الآية الفنية من صورها الشمسية حق لنا أن نقول إن الفن يكاد يسمو فيها إلى ذروة الكمال. وقد كشف في هذه الخرائب عن عدد كبير من الأختام الأسطوانية معظمها مصنوع من المعادن الثمينة أو الأحجار الكريمة، وعليها نقوش منحوتة فيما لا يزيد على بوصة مربعة أو بوصتين. ويلوح أن السومريين كانوا يستخدمون هذه الأختام فيما نستخدم فيه نحن الإمضاءات، وكلها تشهد بما بلغته الحياة والأخلاق في تلك الأيام من رقي وتهذيب ينقض ما لدينا من فكرة ساذجة عن تقدم الإنسان المتواصل من ثقافات الأيام الخوالي المنحوسة إلى ثقافات هذه الأيام التي بلغت الحد الأقصى من الكمال!

ويمكن أن نلخص الحضارة السومرية تلخيصاً موجزا في هذا التناقض بين خزفها الفج الساذج وحليها التي أوفت على الغاية في الجمال والإتقان. لقد كانت هذه الحضارة مزيجاً مركباً من بدايات خشنة وإتقان بارع في بعض الأحيان. وفي تلك البلاد- على قدر ما وصل إليه علمنا في الوقت الحاضر- نجد أول ما أسسه الإنسان من دول وإمبراطوريات، وأول نظم الري، وأول استخدام للذهب والفضة في تقويم السلع، وأول العقود التجارية، وأول نظام للائتمان، وأول كتب القوانين، وأول استخدام للكتابة في نطاق واسع، وأول قصص الخلق والطوفان، وأول المدارس والمكتبات، وأول الأدب والشعر، وأول أصباغ التجميل والحلي، وأول النحت والنقش البارز، وأول القصور والهياكل، وأول استعمال للمعادن في الترصيع والتزيين. وهنا نجد في البناء أول العقود والأقواس وأول القباب؛ وهنا كذلك تظهر لأول مرة في التاريخ المعروف بعض مساوئ الحضارة في نطاق واسع: يظهر الرق والاستبداد وتسلط الكهنة وحروب الاستعمار. لقد كانت الحياة في تلك البلاد متنوعة، مهذبة، موفورة النعم، معقدة. وهنا بدأت الفوارق الطبيعية بين الناس تنتج حياة جديدة من الدعة والنعيم للأقوياء، وحياة من الكدح والعمل المتواصل لسائر الناس. وفي تلك البلاد كانت بداية ما نشأ في تاريخ العالم من اختلافات يخطئها الحصر، فكان أول ظهورها في النقوش التي خلفها المصريون في مناجم سيناء التي يرجعها بعض المؤرخين إلى عام 2500 ق.م وبعضهم إلى عام 1500 ق.م .

ولم يتخذ المصريون لهم كتابة قائمة كلها على الحروف الهجائية وحدها لحكمة في ذلك أو لغير حكمة، بل ظلوا إلى آخر عهود حضارتهم يخلطون بين حروفهم وبين الصور الدالة على الرموز وعلى الأفكار وعلى مقاطع الكلمات. ومن أجل هذا صعب على العلماء أن يقرءوا الكتابة المصرية، ولكن من السهل علينا أن نتصور أن هذا الخلط بين الكتابة بالطريقة المعتادة وبطريقة الاختزال قد سهل عملية الكتابة للمصريين الذين كانوا يجدون فسحة من الوقت لتعلمها. وإذ كانت أصوات الكلمات الإنجليزية لا تعد مرشداً أميناً لهجائها، فإن الشاب الذي يريد أن يتعلم أساليب الهجاء الإنجليزية يجد فيها من الصعوبة ما كان يجده الكاتب المصري في حفظ الخمسمائة رمز هيروغليفي، ومعانيها المقطعية، واستعمالاتها حروفا هجائية. ومن أجل هذا نشأ شكل سريع سهل من أشكال الكتابة استخدم في الكتابات العادية، واحتفظ بالطراز الأول منها ليستخدم فيه “النقوش المقدسة” على الآثار. وإذا كان الكهنة وكتبة الهياكل هم أول من مسخ الكتابة الهيروغليفية على هذا النحو فقد أطلق اليونان عليها اسم الكتابة الهيراطية (المقدسة)، ولكنها سرعان ما عم استخدامها في الوثائق العامة والتجارية والخصوصية. ثم نشأ على يد الشعب نفسه نمط آخر من الكتابة أكثر من النمط الثاني اختصارا وأقل منه عناية؛ ولذلك سمي بالكتابة الديموطية (الشعبية) لكن المصريين كانوا يصرون على ألا ينقشوا على آثارهم إلا الرموز الهيروغليفية الفاخرة الجميلة- ولعلها أجمل نمط من الكتابة عرف حتى الآن.

* * *

ترى هل خلدت هذه الحياة، حياة الشهوات والتقوى والتجارة، في الأدب أو الفن، تخليداً رائعاً نبيلاً؟ لعل هذا قد كان لأننا لا نستطيع أن نحكم على مدينة ما من شذرات متفرقة من حطام بابل قذف بها بحر الزمان. إن هذه الشذرات تتصل معظمها بشئون الصلات والسحر والتجار؛ وليس ما خلفته من تراث أدبي بالشيء الكثير إذا قيس إلى ما تركته مصر وفلسطين، كانت هذه القلة شبيهة بأشور وفارس، ولسنا ندري أكان هذا من أثر الظروف والمصادفات أم كان من أثر فقرها الثقافي. أما فضلها على العالم في ميدان التجارة وفي القانون.

لكن الكتبة رغم هذا كانوا في مدينة بابل التي كان يسكنها خليط من جميع الأجناس لا يقلون عنهم في منف أو طيبة. ذلك أن فن الكتابة كان لا يزال في بداية عهده فناً ينال به من يجيده مركزاً عظيماً في المجتمع، فقد كان الطريق الموصل إلى المناصب الحكومية والكهنوتية؛ ولم يكن صاحبه يغفل قط عن الإشادة بفضله فيما يرويه من أعماله، وكان من عادة الكاتب أن ينقش ما يفيد هذا على خاتمه الأسطواني(133) كما كان العلماء والمتعلمون في العالم المسيحي من وقت قريب يذكرون مؤهلاتهم العلمية على بطاقاتهم. وكان البابليون يكتبون بالخط المسماري على ألواح من الطين الرطب بقلم ذي طرف شبيه بالمنشور الثلاثي أو الإسفين. فإذا امتلأ اللوح كتابة جففوه أو حرقوه، فكان بذلك مخطوطاً غريباً طويل البقاء. وإذا كان المكتوب رسالة نثر عليها التراب الناعم، ووضعت في مظروف من الطين، وبصمت بخاتم مرسلها الأسطواني، وكانت الألواح الطينية المحفوظة في جرار مصنفة ومرتبة على رفوف تملأ عدداً كبيراً من المكتبات في هياكل الدولة البابلية وقصورها. وقد ضاعت هذه المكتبات، ولكن واحدة من أعظمها وهي مكتبة بورسبا قد نسخت وحفظت في مكتبة أشور بانيبال. كان ألواحها البالغ عددها 30 ألف لوح أهم مصدر استقينا منه معلوماتنا عن الحياة البابلية.

ولقد حيرت الكتابة البابلية العلماء فضلوا مئات السنين عاجزين عن حل رموزها، وكان نجاحهم في حلها آخر الأمر عملا من أجلّ الأعمال في تاريخ العلم. وتفصيل ذلك أن جورج جروتفند أستاذ اللغة اليونانية في جامعة جوتنجن أبلغ المجمع العلمي في تلك المدينة عام 1802م أنه ظل عدة سنين يواصل البحث في بعض مخطوطات مسمارية وصلت إليه من بلاد الفرس القديمة، وأنه استطاع آخر الأمر أن يتعرف على ثمانية من الاثنين والأربعين حرفاً المستعملة في هذه النقوش، وأنه ميز ثلاثة من أسماء الملوك المدونة فيها. وبقيت الحال كذلك، أو ما يقارب من ذلك، حتى عام 1835 حين استطاع هنري رولنسن أحد موظفي السلك السياسي البريطاني في إيران، على غير علم منه بما توصل إليه جروتفند، أن يقرأ ثلاثة أسماء هي هستسبس، ودارا، وخشيارشاي (إكزركس) في نقش مكتوب بالخط الفارسي القديم وهو خط مسماري مشتق من الكتابة البابلية، وأمكنه بفضل هذه الأسماء أن يقرأ الوثيقة كلها في آخر الأمر. ولكن هذه الكتابة وان كانت مشتقة من الكتابة البابلية لم تكن هي البابلية نفسها، وقد بقى على رولنسن أن يعثر على حجر رشيد بابلي كما عثر شامبليون على حجر رشيد مصر، أي على نص واحد باللغتين الفارسية القديمة والبابلية. وهذا ما عثر عليه في مكان يعلو عن سطح الأرض نحو ثلاثمائة قدم. وكان هذا النقش على صخرة يتعذر الوصول إليها عند بهستون في جبال ميديا، حيث أمر دارا الأول الحفارين أن يسجلوا حروبه وانتصاراته بثلاث لغات: الفارسية القديمة، والآشورية، والبابلية. وظل رولنسن يوماً بعد يوم يرقى هذه الصخرة معرضاً بذلك حياته لأشد الأخطار، وكثيراً ما كان يشد نفسه بحبل وهو ينسخ كل حرف من حروفها بعناية بالغة، حتى لقد كان أحيانا يطبع النقش كله على عجينة لينة. وبعد جهد دام اثنتي عشرة سنة كاملة نجح في ترجمة النصين البابلي والآشوري (1847م). وأرادت الجمعية الآسيوية الملكية أن تتثبت مما وصل إليه رولنسن وغيره من العلماء في هذه الوثيقة وفي غيرها من الوثائق فأرسلت إلى أربعة من علماء الآثار الآشورية أربعة صور من وثيقة مسمارية لم تكن قد نشرت وقتذاك وطلبت إلى كل منهم على انفراد أن يترجمها مستقلا عن الثلاثة الآخرين دون أن يتصل بهم أو يراسلهم. فلما جاءت الردود وجدت كلها متفقة بعضها مع بعض اتفاقا يكاد يكون تاماً. وبفضل هذا الكفاح العلمي المنقطع النظير اتسعت دائرة البحوث التاريخية بما دخل فيها من علم بهذه الحضارة الجديدة.

واللغة البابلية القديمة لغة سامية نشأت من تطور لغتي سومر وأكد. وكانت تكتب بحروف سومرية الأصل، ولكن مفرداتها اختلفت عنها على مر الأيام (كما اختلفت اللغة الفرنسية عن اللاتينية)، حتى استلزم هذا الاختلاف بين اللغتين السومرية والبابلية وضع معاجم وقواعد في النحو والصرف يستعين بها العلماء والكهنة من الشبان على تفهم اللغة السومرية “الفصحى” والكتابات السومرية الكهنوتية. ومن أجل هذا نرى نحو ربع الألواح التي عثر عليها المنقبون في المكتبة الملكية بنينوى معاجم في اللغات السومرية والبابلية والآشورية وكتباً في نحوها وصرفها. وتقول الروايات التاريخية إن هذه المعاجم قد وضعت من عهد موغل في القدم وهو عهد سرجون ملك أكد. ألا ما أقدم عهد الدراسات العلمية! والعلامات في اللغة البابلية كعلامات في اللغة السومرية لا تدل على حروف وإنما تدل على مقاطع. ذلك أن البابليين لم يضعوا لهم حروفاً هجائية مستقلة بل ظلوا طول عهدهم قانعين بطائفة من المقاطع يرمزون لها بنحو ثلاثمائة علامة من العلامات. وقد كان حفظ هذه الرموز المقطعية عن ظهر قلب ودراسة قواعد الحساب والتعاليم الدينية المنهج المقرر في مدارس الهياكل، حيث كان الكهنة يلقنون الشبان ما هو خليق بالدرس والمعرفة. وقد كشفت بعض أعمال الحفر عن حجرة دراسية قديمة وجدت على أرضها ألواح طينية لبنين وبنات كتبت فيها حكم أخلاقية تحث على الفضيلة قبل مولد المسيح بنحو ألفي عام، كانت كارثة مفاجئة نكاد نحن أن نحمد الله على وقوعها دهمت التلاميذ، فقطعت عليهم درسهم وحفظت لنا ألواحهم، ومصائب قوم عند قوم فوائد.

وكان البابليون كالفينيقيين، ينظرون إلى الكتابة على أنها مجرد وسيلة لتيسير بعض الأعمال التجارية، ولذا لم يضيعوا كثيراً من طينهم في كتابة الأدب. ونجد في ألواحهم قصصاً منظومة على لسان الحيوان- وهي نوع من أنواع لا حصر لها من القصص الخرافية- كما نجد فيها ترانيم دقيقة الوزن، مقسمة إلى سطور وإلى مقطوعات مفصولة بعضها عن بعض؛ لكن لا نجد من الشعر غير الديني الذي يصف شئون الناس العادية إلا القليل الذي لا يستحق الذكر؛ ونرى في المراسم الدينية ما يبشر بنشأة المسرحيات، وان لم تصل إلى مسرحيات بالفعل، ونجد عندهم قناطير مقنطرة من كتب التاريخ. ذلك أن المؤرخين الرسميين كانوا يسجلون تقى الملوك وفتوحهم، وما يصيب كل هيكل من الهياكل من عوادي الدهر، وما يقع في كل مدينة من أحداث هامة. ويقص علينا بروسس أشهر المؤرخين البابليين وأنبههم ذكراً في اطمئنان العالم الواثق من علمه، تفاصيل وافية عن خلق العالم وتاريخ الإنسان في عهده الأول. ويقول إن الله قد اختار أول ملك من ملوك بابل ليتولى حكمها، وأنه حكمها ستة وثلاثين ألف عام، كما يقدر في الدقة، جديرة في حد ذاتها بالثناء، وباعتدال ليس فيه ما في تقدير غيره من إسراف الزمن الذي مضى من خلق الأرض إلى أيام الطوفان الأعظم بستمائة وواحد وتسعين ألفاً ومائتين من السنين.

ومن أروع الآثار الأدبية التي خلفتها أرض الجزيرة اثنا عشر لوحاً محطماً وجدت في مكتبة أشور بانيبال، وهي الآن في المتحف البريطاني. وقد كتبت على هذه الألواح ملحمة جلجامش الذائعة الصيت، وتتألف من طائفة من القصص غير الوثيقة الاتصال ضمت بعضها إلى بعض في عهود مختلفة يرجع بعضها إلى أيام السومريين أي إلى ما قبل المسيح بثلاثة آلاف عام. ومن هذه القصص النص البابلي لقصة الطوفان. وكان جلجامش بطل القصة السالفة الذكر حاكماً أسطورياً لأروك أو إرك وهو من نسل شمش- نيشتين الذي نجا من الطوفان ولم يمت قط. ويدخل جلجميش في القصة في صورة مركبة من صورتي أونيس وشمشون، فهو طويل القامة ضخم الجسم، ومفتول العضلات، جرئ مقدام، جميل يفتن الناس بجماله.

دروب 2008

 


Follow massoudmussa on Twitter
شارك

جميع حقوق الطبع محفوظة © Copyrights reserved . www.libdacafe.com