
باهي..باهي
يأتي الشتاء بمطره وبرده، وتسلخ رياحه الكئيبة واجهة عمرك في برودة.
تشتاق سماء حياتك الملبدة بالسحب الى لفحات شمس صيفٍ قد مضي او تأخر عند بوابة الربيع.
ترتعد اوصالك وتهتز محفظتك الخاوية في جيبك الفقير، عندما يصل سمعك رفض السيد المدير قبولك للعمل بمصنع المكرونة.
تقدم اوراق اعتذارك للسيد المدير نادماً على سرقة خمسة دقائق من وقته الثمين وتشكره على كرمه. وقبل ان يطالبك سعادته بأن تريه عرض اكتافك، تغادر مكتبه الفخم مطأطئ الرأس.
تجرّك قدماك المتعبتان الى شارع عريض يضيق بمأساتك.
هنا، تحاول تقليد صوت رعد الشتاء- في عفوية- عندما تلعن البطالة للمرة الألف.
لكنك ترضى بأن تغادر اللعنات جوفك وتلامس النور في همسٍ أدمن استعمال كاتم الصوت.
ولأنك تدرك غياب "الواسطة" المناسبة في مشوارك اليومي، وتدرك مقاطعة "الاكتاف" العريضة لحياتك، ستظل تخشى لعن البطالة علناً حتى وان كان المستمع من "الحرس البلدي".
تعتذر لصديق يقابلك صدفة في الطريق، لم تتصل به هاتفياً ليس لأنك خارج نطاق التغطية، بل لأن عمرك بالكامل اصبح خارج نطاق التغطية وفقدت رصيدك من وقود الطموح لمستقبل لم تعش ما سبقه من حاضر.
تقول لصديقك كاذباً: انا آسف، لم اتصل بك لأنني كنت مشغول جدا..!
ولا تنسى كعادة ابناء بلدك ان تضيف كلمة "والله" بعد "كنت مشغول جداً". وكأن " كنت مشغول جداً والله" أصدق ولها وقع أفضل في سمع المتلقي!
تتناسى انك تكذب. وانه لا يصح الزج باسم الخالق جلّ جلاله في كل كبيرة وصغيرة من معاملاتك اليومية الا اذا كنت بالفعل تقصد ما تقول.
انت وصديقك تعلمان انه لا يوجد ما يشغلك سوى بحثك الدائم عن عصا موسى تشق بها طريقاً برياً في الابيض المتوسط يوصلك الى شآطيٍ بعيد ملئ بالجديد..بالفرص..والاحباطات..بالفشل والنجاح والجروح والبسمات.
ويجيبك صديقك: انشاء الله خير..باهي خللينا انشوفك.
يقابلك صديق آخر يتأبط ذراعك وكأنه يرغمك على مرافقته الى مقهى مزدحم بالغرباء ورائحة الاحباط الانساني، ولترتشف برفقته فنجان قهوة وتنفخ دخان الارجيله في هواء مدينتك غير الملوث! تقرر ان تكون صريح معه وأنك لن تستخدم عذر " مشغول جداً والله". تستجمع بقايا جرأة وتصرخ في وجهه معلناً أنك لا ترغب في تضييع وقتك في شرب القهوة ونفخ دخان الارجيلة في هواء مقاهى المدينة. لكنك تقتنع برأيه بعد ان تستمع الى الخيار الثاني الذي يطرحه عليك: لا تريد الذهاب معي الى المقهى، هيا بنا الى المتحف اذاً!
ترافقه الى المقهى وتمارسا هواية اغتيال ساعات الزمن علناً على كراسي بلاستيكية احتلت اركان المكان. مئات الاسئلة تحلق في سماء رواد المقهى، تتبعها مئات الاجوبة التي لا تقود الا الى المزيد من الاسئلة. والخلاصة؟ لا شئ جديد!
ترجع الى بيتك ولا تدري كيف وصلت او ماذا رأيت ومع من تكلمت في الطريق.
كل الضحكات صفراء اللون.
كل الاحداث متشابهة.
كل الوجوه والاقدار متشابهة..حتى غدران شوارع مدينتك متشابهة.
تقابلك الوالدة بسؤالها الاعتيادي: هل تحصلت على عمل؟ فيأتي جوابك الاوتوماتيكي المسجل بآلة الرد القابعة داخل جمجمتك: لا..ما زال!
تدعوا لك والدتك بالتوفيق والنجاح في الغزوة القادمة غداً وتطلب الستر والبركة من الرحمن الرحيم أكرم الكرماء، وتختتم دعائها بذكر اسماء اولياء صالحين سمعت عنهم من جدتها. وبعد وجبة هزيلة، تبدأ رحلتك الليلية في التسكع بين برامج فضائيات العالم. لم تعد تندهش لسماع أخبار العالم التعس، ولم تعد متلهفاً لمتابعة مسلسلات مملة يعيش مقدميها في عالم آخر بعيد عن عالمك وفي زمان آخر لا تملك تأشيرة دخوله.
تسحب بطانية قديمة تتقي بها برد حجرتك الصغيرة.
نجاحك في تغطية رأسك بالبطانية يعني فشلك في تغطية قدميك بها.على طول فراشك مد رجليك، وعلى قِصر بطانيتك عوّج رقبتك او اثني رجليك.
تتجاهل وجود شهادة تخرجك الجامعي الملطوعة والمحكوم عليها بالمؤبد تحت زجاج برواز رخيص مستورد من الصين، وتقرر متابعة اضرابك عن النظر الى ذلك الركن من الجدار المشنوقة به تلك الشهادة العليا.
يحزن البرواز الصيني حامل شهادتك الجامعية، ويقرر مشاكستك مرة اخرى ويميل الى جهة اليمين.
هل توصف الشهادات الجامعية ب "العليا" لأنها تشنق دائما في اعلى ركن في المربوعة؟
بعد جهاد ونضال طويل ضد بطانية قصيرة، تنجح في التسلل الى عالم النوم وتعلن فرارك الى عالم الأحلام في شكل همهمات لا يفهمها الا سكان الفضاء الخارجي.
بعد ساعتين او ثلاثة من دخولك الى عالم لا يدخله الا "المتهني"، يصر مؤذن الجامع القريب على ايقاظك من نومك لتصلي، وليذكرك بضرورة شكر الخالق على ما أعطى وعلى ما منع. وتعلن كل ديوك الحومة انضمامها وتأييدها لما دعى اليه المؤذن، وتبدأ فصول قصة وحكاية "كل يوم". وتحت غطاء بطانيتك القصيرة تنسج خيوط مؤامرة، تجبر خيالك فيها على تصور طعم دجاج وصراديك الحومة كلها وهي تغلى في طنجرة المكرونة حتى تتخلص منها.
يستسيغ خيالك حبكة المؤامرة ويسيل لعابك، فتعلن معدتك استعدادها لاستضافة ما تخيلته من لحوم الدجاج حتى وان كانت مصابة بانفلونزا الطيور ودراه الكبد. تصدر معدتك واحشائك اصوات وفرقعات فتزمر صفارات الانذار بجوفك الخاوي.
يرغمك التعب والجوع على استجداء تأشيرة دخول جديدة الى عالم الاحلام. يمنحك اتحاد دول عالم الاحلام المبعثرة تأشيرة ترانزيت، فتغطى رأسك بالبطانية وتترك قدميك خارج التغطية. وما أن تعبر بوابة سلطان النوم حتى يأتيك الأمر اليومي من شخص ما يدق بعنف باب غرفتك : تنوض كان بتخدم على راسك.....الساعة سبعة ونص راهو! تحاول الصراخ للمرة الألف لتعلن بأنه ليس لديك لا رأس ولا عمل، لكنك تفشل في ذلك. ويخرج ردك المهذب على الطارق من جوف معاناتك: باهي..باهي..
يأتي الصيف الذي تنتظر، وتغزو أشعة شمسه أركان برودة الأيام في حياتك.
يغازل ضوء النهار ظلال قيلولتك في ملل، ويسري الدفء ببطء في شرايين جسدك المتعب.
تجف واحات المشاعر وتلتهب حناجر العواطف.
تفرز عرقا مالحا يرطب جلدك العطشان، فتشكو ارتفاع رطوبة المكان لذبابة مشاكسة تتعلم فنون الغناء.
في الشتاء اشتقت للصيف، وعندما طلّ الصيف بدأت تغازل سراً ذكريات شتوية.
يسمع الصيف شكواك، فيرسل لك هدية.
نسمة بحر يشتريها لك من أمواج فقدت بوصلتها، فأرتمت على شطوط مدينتك المبعثرة شوارعها والمتكلسة بسمات قاطنيها.
ينتعش أفق امسيتك المظطربة، فتقرر الخروج لتهرب من صمت جدران خرسانية لا يشاركك فيها سوي الصمت والحزن والفراغ وصفير ذبابة تعلم أنها لم ولن تتعلم الغناء أبدا..ولن تكف عن الطيران حول رأسك والهبوط الاظطراري على جبهتك العريضة التي تتصبب عرقا.
بضعة خطوات في شارع مترب ويصلك الصوت الرافض للحركة لمحرك مركبة جارك..أنين المحرك المتواصل يزيد من اندفاع سيل شتائم ولعنات جارك الموجهة لكل مهندسي كوريا. بقايا سيارة جارك فرنسية المولد والجنسية، فلماذا يسب كوريا؟
تدفع جارتك نصف طزينة من الاطفال خارج باب بيتها في ضجر وتأمرهم باللعب في الشارع متمنية أن "يقصف الله عمرهم".
مبعثرة تولد كلماتك، عندما تحس بالبرد وانت في بيئة دافئة.
وفي صباح الشبابيك المغلقة، ستتحول الى غريب يغازل انفاسه ويرسم صورة زاهية الالوان ليوم جديد قادم.
لكن تلك الالوان الزاهية سرعان ما تبهت وتتحول الى جماد خليط كيميائي، عندما يبدأ الحنين الى وطن يسكنك وتتمنى ان تسكنه في تقديم وجبته اليومية من الوخزات الى قلبك وعقلك وكل كيانك.
للشمس طلات كثيرة، اجملها طلة الصباح الباكر قبل أن تتعب الشمس من حرق كوابيس البشر الليلية.
وفجأة تكتشف أن شتاءً جديدا قد مضي..
تبعه الربيع..
ثم الصيف..
وأسقطت رياح الخريف المشاكسة عاما جديدا من حياتك..ولم يبقى لك سوى ان تعلن من جديد: باهي..باهي..
---
حسين ارحومة التربي
هلسنكي - فنلندا
مارس 2009
'''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''''