بين غموض البحر وشموخ الجبل

ًاليونان مهد الفلسفة الإنسانية بين غموض البحر وشموخ الجبل
اعتبرها الكثيرون جنة الله على الأرض، ففي بقعة واحدة في جنوب شرق أوروبا، توحدت إبداعات الخالق من الجبال الشاهقة المتشحة بثوب الثلج الأبيض النقي والمزينة بأشجار الصنوبر والبلوط، والمتناغمة مع البحار الزمردية المحيطة بهذه الجنة من معظم الجهات ومطعمة بالكهوف الغامضة، في مشهد خلاب قل نظيره، يثري الحواس ويطلق العنان للروح لتحلق في فضاءات بعيدة عن تعقيدات الحياة العصرية، ويعطي القلب متنفساً لقضاء أوقات لاتنسى على أرض ولدت حضارتها منذ آلاف السنين.
تنوعها البيئي جعل مناخها رائعاً، ومختلفاً من مكان إلى آخر من مناخ جبال الألب والمناخ المعتدل ومناخ البحر المتوسط، ولكن بشكل عام الحرارة معتدلة ومثالية لقضاء إجازات لاتنسى، خصوصاً للباحثين عن أجواء رومانسية وحالمة.
على مساحة إجمالية تبلغ 130 ألف كيلو متر مربع تمتد جمهورية اليونان أو <إلادا> - كما يسميها شعبها في حياتهم اليومية-، التي كانت عبر التاريخ مهد الحضارة الغربية، وتتميز الجمهورية بالجزر التي تغطي ربع مساحتها وهي تقارب الـ 2000 جزيرة، لذا الحياة البحرية هي الأهم في اليونان ويتم التركيز على تطوير نشاطاتها دائماً، فهي تمكن الزوار والسياح من اكتشاف سحرها وجمالها بكل مكوناته.
سحر في كل مكان
الرحلة إلى اليونان تشمل المرور على لوحات فنية مبدعة من الطبيعة الخلابة التي تزخر بألوانها، سواء كنت فوق الجبال أو على السهول أو وسط الجزر، ستلازمك الصور الجميلة أينما اتجهت. ومن المهم أن تمر خلال رحلتك إلى اليونان على جزيرة <كريت> الأشهر بين جزر الجمهورية، ففي كريت النشاطات غير محدودة لغناها البيئي، وهي تمتلك جبال مقاطعة <خنيا>، التي توفر لمحبي تسلق الجبال الكثير من الخيارات الترفيهية، أيضاً لابد أن تضع زيارة <المنتزه الوطني> ضمن أجندة نشاطاتك هناك، ففيه حيوانات ونباتات برية نادرة، ولمحبي الاسترخاء وتأمل جمال الطبيعة تشكل جزيرة <جافدوس> الكريتية معلماً مبهراً للزوار بساحلها وشاطئها.
كريت لا تخلو أيضاً من المشاهد الاستوائية المتناغمة التي تتزين بها منطقة <بريفيلي> ضمن مقاطعة <ريثمنو>، التي تشتهر بإقامة مخيمات السياح في منطقة <وادي نيدا> وهي نقطة الانطلاق لاكتشاف كهف <ايديو اندرو>.
الحياة الريفية الهادئة هي الطاغية على أراضي إقليم <مقدونيا>، التي يتميز سكانها بحرصهم الكبير على البيئة والطبيعة، من خلال المنظمات المختصة بهذا الشأن، وتعتبر قرية <نيمفو> ذات الفن المعماري الجميل خير مثال على حياة البساطة، والزائر لمقدونيا سيشعر بالاسترخاء من خلال زيارته للمقاهي المتناثرة على جوانب الطرق، كما سيتعرف إلى سكان الريف الودودين بطبعهم، والذين يعكسون صورة مشرفة عن بلدهم اليونان، ولا بد لزائر مقدونيا المرور على شلالات <ايذسا> ونهر <نيستس> وقصر مدينة فرجينا القديمة والمركز التاريخي في <سالونيك>.
أثينا المدينة القديمة التي تنبض بالحيوية والشباب وهي أكبر المدن اليونانية والعاصمة، وهي تزخر بالارث التاريخي الذي يعود إلى 5000 عام خلت في معظم مناطقها، وفيها أقيمت أول دورة للألعاب الاولمبية عام 1896، وتربض قلعة <الاكروبولس> شامخة منذ القدم في هذه المدينة ومعبد <دافني>، وهما اللذان تمت إضافتهما إلى قائمة <اليونيسكو> للتراث العالمي.
تشتهر أثينا بالنشاطات الترفيهية ومغامرات الاستكشاف، لكنوزها التاريخية التي تعج بها، والرياضات البحرية، ومن أهم معالمها كهف <داياس>، ومنحدرات جبال <اكرننيكا>، ووادي <ذمسارس>، وغابة الليمون، ومصبات نهر <سبرخوس> والمحميات المائية.
البحر الايوني
على الساحل الغربي لليونان يقع البحر الايوني- أحد فروع البحر المتوسط-، ويضم جزر <بكسي> القريبة من الكهوف، و<كورفو> الشهيرة بشواطئها المكتظة بالسياح وبمتحف <بانك نوتس> وبالقلاع والحصون القديمة ، و<كفلنيا> وهي أضخم جزر البحر الايوني وفيها المنتزه الوطني الذي يعرض مجموعة من أنواع نباتات التنوب النادرة من نوعها، و<ايثاكي> العامرة بالآثار والمواقع التاريخية، و<لفكاذا> بمناظرها الخلابة وشواطئها المسطحة، و<زاكنثس> موطن السلاحف البحرية، وجزيرة <اثوني>، التي تحتضن أكبر ميناء للسفن في المنطقة.
النشاطات البحرية هي الأهم في اليونان ولا تتوقف عند البحر الايوني، فهناك بحر ايجه، الذي سمي على اسم الملك <ايجيوس> الذي خاض مغامرات كثيرة في هذا البحر مع ابنه <زيوس>، وفي هذا البحر ترافقك الدلافين أثناء زيارته، وعلى جزره تنتشر المنتجعات المتخصصة التي تمنح زوارها السكينة والهدوء، ولابد للزائر لبحر ايجه أن يحظى بفرصة لزيارة جزيرة <رودوس> الشهيرة، والتعرف إلى المواقع التاريخية هناك مثل موقع تمثال <أبولو رودوس> الذي دمر في أحد الزلازل التي ضربت الجزيرة في قديم الزمان، وغابات الصنوبر وبركان <نيسرس> ودير <باتماس> والتعرف إلى الاسفنج الطبيعي الذي تشتهر به المنطقة. كل هذا إضافة إلى المسارات المائية لجزر <ذذكانيسا>، وجزر <سبراذس> وجزر <كيكلاذس> وميناء <بريوس> وخليج <سرنكوس>.
ما لذّ وطاب
ليس فقط المناخ والطبيعة اليونانية التي تتميز بالتنوع الكبير والخيارات المتعددة، كذلك قائمة الأكلات المحلية والتقليدية، التي تحاكي بمكوناتها وفي بعض طرق صنعها ثقافة الطعام في منطقة الشرق الأوسط، وان تختلف الوصفات بعض الاختلافات البسيطة ولكنها تقارب الذوق الشرقي.
الأكلات اليونانية تشبع جميع الحواس بألوانها ونكهاتها، وما يميزها أنها مصنوعة من خيرات الأراضي اليونانية ولعل أبرز المنتجات اليونانية الزيتون وزيته، الذي يأتي على قائمة مكونات الوصفات، ويطلق اليونانيون على شجرة الزيتون اسم <الشجرة المقدسة>، لكونها أول شجرة زرعت في اليونان وفقاً للأساطير القديمة، ومن منتجات اليونان المعروفة أيضاً المستكة والزعفران، وجبنة <الفيتا> الشهيرة على مستوى العالم، إلى جانب أسماء أخرى معروفة من الجبنة اليونانية مثل : (الجريير وميتسوفون والمانوري والكسيري والانثوترو والمزيثرا) وغيرها الكثير، التي تستخدم أغلبيتها لصنع الفطائر والمعجنات، أو إضافتها إلى أكلات أخرى، ويعود سبب تعدد الأنواع إلى شهرة اليونان بتربية الماعز والنعاج التي تنتج كميات كبيرة من الحليب الطازج، الذي يجمعه المزارعون ويقومون بمعالجته بطرق تقليدية قديمة أخرجت للعالم أفضل أنواع الجبنة التي ارتبطت بحضارة وثقافة اليونان.
وقد منت البحار اليونانية على السكان بمنتجات بحرية رائعة جعلت من المأكولات البحرية خياراً رئيساً على المائدة اليونانية، بطارخ الأسماك ذات النكهة اللاذعة، وشوربة <ككفيا> البحرية التي تصنع بثلاثين طريقة مختلفة باختلاف المناطق، والاخطبوط والروبيان وبلح وقنفذ البحر والحبار مع الزعتر والزعفران والليمون، وترادف اكلة <السفلاكي> طبق المشاوي لدى العرب، وهو مكون من قطع اللحم الصغيرة التي تقدم في أسياخ مع سلطة اللبن والخيار.
وللحلويات نصيب وافر وأهمها <معمول العسل> الخاص بالأعياد، والمرزيبان المصنوع من العسل، المكون الرئيس لأغلبية الحلويات اليونانية، وفطائر <الذيبلا> المحلاة بالعسل، و<حلويات الملعقة> المصنوعة من الفواكهة والفانيلا والسكر، وتقدم في طبق صغير مع ملعقة للدلالة على حسن الضيافة والترحيب.
مها أبو خاطر- دبي
المصدر/ الرؤية الاقتصادية مايو 2009




























